إهانة سعودية ثانية لعون!

حلّ وزيرُ الدولةِ لشؤونِ الخليجِ العربيّ، ثامر السبهان، ضيفاً مُرحّباً به لدى فريقٍ سياسيٍّ واحدٍ في لبنان، مُمارساً لديه (أي عند السبهان) شعائرَ الحجِّ السياسيّ في ضوءِ المُتغيّرات الجذريّة المُتوقَّعة في المِنطقة خلالَ الأشهر القليلةِ القادمة.

بات الوزيرُ السّعوديّ مُوفداً دائماً وشبه رسميّ إلى بيروت ناقلاً الرسائل منها وإليها ومُعيداً نسج تحالفاتِ المملكةِ فيها، وهندسة علاقاتٍ قد تبثّ الرّوح مُجدّداً في فريقٍ عادت السعوديّة تُراهنُ عليه؛ ليكونَ طرفاً في لعبةِ المصالح.

طلّ السعوديّ برأسه وعادَ إلى لبنان من بوّابة بُزوغِ الدّور الإيرانيّ المُفعمِ حيويّةً بحضورِ مُساعد وزيرِ الخارجيّة للشؤون العربيّة والإفريقيّة حسين جابري أنصاري، والذي لا “يُهضَم” على مُستوى المملكة. حطّ “السبهان” رِحاله في بيروت لكن ثمّةَ خَطبٌ ما حَدَثَ في بُوصِلتِهِ السّياسيّة، فبدل أن يتوجّه أوّلاً إلى رأسِ الدّولةِ ليفتَتِحَ زياراتِه ولقاءاتِه منها كما تنصُّ وتقتضي الأعراف البروتوكوليّة التي تحكم العلاقات بين الدول، شاء أن يهبطَ في بيت الوسط مُلتقياً رئيس الحكومة سعد الحريري ما اعتُبِرَ إهانة دبلوماسيّة للبنان كدولةٍ تُعدّ الثانية في أقل من عام!

وكانت الأولى جاءت من خلالِ دعوةِ رئيس الحكومة سعد الحريري بدلاً من رئيس الجمهوريّة ميشال عون لحضورِ القمّة العربيّة – الإسلاميّة في الرياض مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.

السبهان الذي ومن المُؤكّد أنّه يعرف ماذا يفعل، لم يلفت عنايته أحد من اللّبنانيّين الذين باتوا كمثلِ “بالع الموس” لا يملكون جرأة الحديث عن مدى الضّرر الذي يُلحِقهُ الزائر السّعوديّ بالنُظمِ الرسميّة الواجب التعامل فيها بين الدول؛ بل على العكس تماماً هلّلوا وكبّروا له، فحطّ في الزيارة الثانية بدارةِ رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، الذي لم يُدِر نادوره صوب السبهان مُطلِعاً إيّاه بشيءٍ من حساسيته المُفرطة صوب “حفظ السيادة”.

في صرحِ “بسطرس” الحال نفسه. تجاهلٌ لمقامِ رئيس الجمهوريّة من رأس هرم الدبلوماسيّة اللّبنانيّة وزير الخارجيّة جبران باسيل المُفترَض أنّه “ابن تيّار العهد” الذي استقبل السبهان كضيفٍ من الطّرازِ الأوّل. ربّما ظنّ الزائر أنّ باسيل ينوب عن رئيسِ الجمهوريّة – نقول ربّما- لكن كان الأجدر -ربّما- أن يلفُت وليّ الدبلوماسيّة اللّبنانيّة نظر ضيفه إلى أنّه -ربما (ثانية)- عليه في المرّة القادمة -أقلّها القادمة- أن يسأل خاطر قصر بعبدا.. عفواً بيت الدين بشيءٍ قبلَ أن يُباشر جولته!

ويُعدّ تصرّف الوزير السعوديّ مُقارنةً بالنصوص، إهانةً لرئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة، ورسالةً بالغةَ الدّقّة في توقيتٍ بالغِ الدّقّة لا ينمّ إلّا عن فَهمٍ وإشارةٍ واضحتَين من بلوغِ الغضبِ السّعوديّ مُستوى أطاح بالقيمِ الدبلوماسيّة، وذلك يأتي كردٍ على توجّهات الرئيس التي لم يُخفِها، وتدلّ على مُحاولةٍ سعوديّةٍ مقصودةٍ لإحراجِ عون وتجاهلهِ كرئيسٍ لا بل مُمارسة مُكابرةٍ وتكبّر عليه!

عموماً، استكملَ السبهان جولته ليلاً عند رئيس اللّقاء الدّيمقراطيّ النائب وليد جنبلاط ورئيس حزب القوّات اللّبنانيّة سمير جعجع حاملاً معه -كما سُرِّب- اقتراحاً بـ”لمِّ شملِ قِوى الرَّابع عشر من آذار” وهو الملفُّ الذي فتحهُ “ليبانون ديبايت” قبل أشهر.

وانطلاقاً من آخرِ فِقْرَةٍ، تُصبحُ زيارة السبهان مفهومةَ الأهداف والنوايا. فهو لم يأتِ إلى بيروت على أساسِ زيارةِ مُمثّل دولةٍ إلى دولة؛ بل أتى كمرشدٍ اجتماعيٍّ لفريقِ استثمارِ تلك الدّولة في هذا البلد، وعليه لم يَعد الضيف مُلتزماً بأيّ حُجةٍ للخضوعِ للضوابطِ البروتوكوليّة؛ بل بات مُتحرِّراً من أيّ رسميّات، وبالتالي ليس موجباً عليه الالتزام بالقواعد!

العيب على من ارتضى بالإهانة سبيلاً وباعَ موسمهُ السياديّ في سوقِ عُكاظ أصحاب الدنانير!

السعوديةعبد الله قمحلبنان