ما الذي يخيف الرئيس نبيه بري؟

هل من محاولة جديدة لتطيير الانتخابات؟ ربما، فالاجواء السياسية السائدة لدى أكثر من دائرة، وما يحكى في المجلس الضيقة لا يشي بالخير أبداً، ثمّةَ ريبة من خلف طرح مسألة اجراء تعديل حكومي، وثمّةَ سؤال يُطرح “لماذا استغلال هذا الوقت بالذات لنبش موضوع كبير إلى هذا الحد؟”.

لا يكفي أنَّ يُعلن الجميع أنّهم مستعدّون لتقريب موعد الانتخابات أو يبدون تشجعاً لاجرائها في موعدها، بلّ يجب أنّ يقرن ذلك باجراءات عملانيّة أساسها حلّ العقد الموجودة في آليات تطبيق القانون العالق في بهو اجتماعات “لجنة التطبيق الحكومية” الشبه ميّته منذُ اعلان الرئيس الحريري استقالته والتي من شأنها أنّ تنسف الاستحقاق.. إلى الآن، بوادر الحلّ غائبة وبالتالي اجراء الانتخابات غير ناجز.

 ما يعزّز من السلبيات، أنَّ التجارب السابقة لم تكن مشجّعة ولا يعوّل عليها ولم يحصل أنّ أكمل السياسيون زرعَ بذور التفاؤل بل كانت دوماً معرضة للحرث!

هناك من يعتقد أنّ أموراً كثيرة يُراد الوصول اليها من خلف طرح اجراء تعديل حكومي، علماً أنَّ تسويقهُ اليوم لا ينطلق من أنّه مطروح في صلبِ الاتفاق الذي يتمّ إعداده، بل من وجود رغبة قديمة – جديدة في ذلك.

يتهم الوزير جبران باسيل بـ”جريمة اعادة نبشه” واحالته إلى الرئيس الحريري الذي تكفّل بتسويقهِ اعلامياً. في الحقيقة هُناك علامات تدل على مصلحة الطرفين في تنفيذ التعديل في هذا الوقت تحديداً، ولا يُعلم ما الاستفادة من ذلك، إلّا أنه في إطار إعادة التوازن داخل الحكومة.

على المستوى السياسي هناك قراءتان للاسباب الكامنة خلف الطرح:

– قراءة لها علاقة بتنظيف الساحة الحكومية من المزعجين (المعارضين)
– قراءة لها علاقة بتفعيل العمل الحكومي واستقدام وجوه أو تيارات جديدة
– قراءة يجري تداولها في الخفاء وتقول بالتريّث في الانتخابات حتى جلاء الحل الاقليمي (وهي محدودة)

وتأسيساً على القراءت أعلاه، وجدَ الرئيس نبيه برّي قطبةً مخفيّة في استنهاض مسألة التعديل الحكومي الآن، فكان له موقف واضح عبّر عنه بـ”لاء عاليه” رافضاً بالمطلق أنّ يجري البحث حتّى بالتعديل الوزاري.

كلام “برّي” أفرغَ خبايا تُترجم كأسئلة تحتاج لاجوبة، صلبها، “ما الذي يخيف الرئيس بري؟”

يقودنا هذا التساؤل إلى فهم أنَّ هناك وجود لابعاد تطال ما هو أبعد من اجراء تعديل وزاري، وتصل حد اشغال الوسط السياسي بفكرة قد يأخذ بحث جوانبها وقتاً أقلّه شهر، وهذه الفترة نحن بأمس الحاجة اليها اليوم من أجل بت الخلافات الاجرائية حول طريقة اجراء الانتخابات.

إذاً التمس رئيس المجلس أنَّ هناك نيّة لشراء الوقت وتقطيعه ثم الوصول إلى حدود الدخول في المهل الدستوريّة القاتلة بذريعة “تعديل الحكومة وتحفيزها”، فيصبح العمل ضمن المُهل منهكاً ويجري تحت الضغط، ما قد يفرض اشتباكاً ستطال شظاياه الانتخابات، وهو (أي برّي) ليس بوارد الدخول بهذا الجو اطلاقاً.

لذا قرّر من الآن اشهار سيف القتال تحت سقف “تكتيكي” مضبوط.

لكن ثمّةَ أوجه أخرى تقف كعوامل مسببة لاستنهاض الطرح التغييري اليوم، تقود إلى فهم أنَّ “تحالف الحكم الثنائي” لم يعد يجد رغبةً في وجود “المزعجين” داخل الحكومة، لانهم نغّصوا عليه عيشته خلال الاشهر المنصرمة من عمر الحكومة.

مرّ هذا الطرح من خلال تلويح القوات اللبنانية بأنَّ في نيّتها الاستقالة من الحكومة، فاعيدَ انتشال “التعديل الوزاري” من القمقم لكن بمفارقة، هي تضامن الرئيس سعد الحريري معه.

وعلى ذمّة مصادر، المقصود باجراء تعديل وزاري كان يستند على تعبئة الفراغ الذي ستتسبّبه به “القوات” في حال استقالتها.

وروّج لدى مجالس، طرح امكانية اشراك حزب الكتائب في الحكومة، لكنّ صالونات اعتبرت ذلك “دوران في الدائرة ذاتها” خاصة وأنّ الذي يريد “تنظيف الساحة من المعترضين” قد يجد في الكتائب معارضةً أقصى، فلما التغيير، إلاّ إذَ كان القصد منه التصويب على ملفات أخرى!

ويبدو أنّ هذه الافكار تسلّلت من جدران الصالونات ووصلت الى معراب، التي وجدت أنَّ هناك من يحفر لها قاصداً اخراجها واحراج تمثيلها، فعاد رئيسها الدكتور سمير جعجع والتف “تكتيكياً” على طرحه معلناً العدول عن الاستقالة.

لا مصلحة لـ”معراب” بجلب أكبر معارضيها إلى الميدان على ظهرها، وأكثر من ذلك، لا مصلحةً لها اليوم في ظل هذا الانكماش بينها وبين “التيار الازرق” أنَّ تخرج من دائرة الضوء وتتقوقع حتى يسهل التهامها.

وفي تلك الخطوة حمايةً لـ”القوّات” من الذي كان يحاك ضدّها، والذي جاء في ذروة تضعضع العلاقة مع الحليف “الأزرق”، الذي يبدو أكثر المستفيدين من اجراء التعديل الحكومي اليوم.

إذاً هناك ريبة في طرح مبدأ التعديل والمنفعة منه. يقود الظن إلى الاعتقاد أنَّ هناك من له مصلحة في “مكيجة الحكومة” لتمديد عمرها، وهذا التمديد لا يمكن إلاّ أنَّ يمرّ على جثّة الانتخابات.. لذا يصبح خوف بري مفهوماً.

بريعبد الله قمح