اجتياح انتخابي من نوع آخر!

يُمعن المرشّحون للانتخابات النيابيّة في ضرّب القوانين عرض الحائط. لا شيء يُوقف هؤلاء أبداً، وليسَ من وسيلة لكبحِ جماحهم. أصبحَ كلّ شيء تقريباً خاضعاً لشهيّتهم ومسخرّاً في خدمة الوصول إلى كُرسي البرلمان، إذ لم يستثنَ حائط أو شارع أو عامود كهرباء من بصماتهم.

هناك مُخالفات صريحة تُرصد علناً عند بزوغ كلّ فجر، وثمّة أخرى يجري إرتكابها عند كلّ ساعة. هناك مخالفات في الاعلان والاعلام الإنتخابيين، مخالفات في إدارة المعركة الانتخابيّة، مخالفات في المُمارسة.. ثمّة أحاديث تضج بها الصالونات السياسيّة حول شراء ذِمم وسخاء يُعطى للمندوبين الثابتين والمتجوّلين ومن خلفهم مفاتيح إنتخابيّة تَخدم رب هذا المقعد.. ووسط كل الزلازل والعواصف الذي يضرب من حولنا، ترزح “هيئة الاشراف” تحت صمتٍ مطبق وكأنها لم تكن!

 القادم إلى لبنان من الخارج عبر مطار بيروت الدولي تستقبله صورة عملاقة لأحد المرشّحين معلّقة على جسر حيوي، وكأنها إعلان رسمي للزائر/المغترب بأنه دخلَ في زمن الإنتخابات، أسفلها ترتفع صورة أخرى لمرشّح برتبة “زعيم” يجري تجديدها شهرّياً.

على طول طريق المطار وصولاً إلى بيروت الإدارية، تنتشر صور مرشّحين على أعمدة الإنارة المرتفعة عند منتصف الطريق. هذه لا وظيفة لها فهي دائماً مطفأة، لذا قرّر المرشّحون إنارتها بصورهم وتوظيفها لمصلحتهم! صور أشكال ألوان لا تفرّق بين محور سياسي وآخر، كلٌّ يريد وضعّ بصمته كما يحب.

عند نفق سليم سلام الأمر ذاته. بدل أن تستقبلكَ بيروت بشعار “أم الشرائع” تُستقبلّ بإبتسامة مرشّح وإلى جانبه آخر ينافسه.. الصورة ذاتها تتكرّر بإتجاه الوسط.

المشهد في الجزء الغربي من بيروت لا يختلف عن الجزء الجنوبي منا أو الجانب الشرقيّ، إلا في التفاصيل، فمثلاً بعد جسر الدورة يَشيح نظرُك دون إذن صوب صور عملاقة مبعثرة، تُضيّعُك إذا ما كانت تعود لعرض الازياء أمّ لمرشّحة، يتبعها صور لا تقل شأناً لمرشحين آخرين يتنافسون في الأناقة أيضاً.

الإنتخابات وحّدت بيئات بيروت، إلى حدٍ أصبحتَ تظن نفسكَ أنكَ في نفس الجانب نظراً لعدم إختلاف أيٍ منها بسبب إحتلال المرشحين للجدران. حتى أن أحد المرشّحين لم يقبل بصورة واحدة بل “دَهَن” الحيط من أدناه حتى أقصاه “حتى “إلي ما شاف يشوف” على قولت أحد السكّان.

وضع المناطق اللبنانيّة الأخرى لا يختلف كثيراً عن هذا الحال. بَلَغَ إجتياح الصور كلّ زاوية أو بيت أو حائط أو عامود أو جسر أو مبنى أو واجهة أو زاروب أو “زنغة” حتّى المستشفيات أيضاً طالها الهجوم، إذ سُجِل أن إحدى مستشفيات الضاحية الجنوبيّة باتت أشبه بمكتب إنتخابي يتبع لأحد المرشحين.

“لقد إجتاحونا نظرياً وصورياً بعدما إجتاحونا في السياسة والمقاعد”. أحد الخبراء الإنتخابيين يصف ما يجري بانه “تلوث للنظر”.

من ناحية القانون، يعتبر إنتشار الصور والدعاية الانتخابيّة بهذه الطريقة وهذا الشكل مخالفاً، لماذا؟ لأن الصور موضوعة على أملاك عامة لا يجوز إستخدامها في الدعاية الانتخابيّة.

وفي البحث عن المسؤول الموضوع على عاتقه حُسن تدبير الأمور ومنع التجاوزات، تجيب مصادر أنه وبحكم القانون “هذا الأمر من صلاحية البلديّات التي يجب أن تسهر على إنتظام الأعمال ومنع التعدّيات والمخالفات”، لكن أين البلديّات؟ موجودة، لكن كيف لها أن تُزيل صور مرشّحين يتقاسمون وأعضائها نفس الإنتماء والولاء السياسيين؟

ووفقاً لهذه القاعدة، تصبح عندئذٍ البلديّات شريكة للمرشّحين في دعم حملاتهم والترويج لها، لتضع ممتلكاتها في خدمة هؤلاء، كما سُجّل في بعض البلدات التي تحوّلت إلى منشآت إنتخابيّة خالصة لهذا المرشح أو تلك اللائحة.

يبرّر مراقب كل الذي يجري بنمط من السخرية، بقوله أن “صوم 9 سنين عن الإنتخابات وملحقاتها أوجدَ مرض الفجع لدى المعنيين بها، إذ وحين حلَّ موعد الإفطار إنهال الحاضرون على السفرة يأكلون بفجع قلّ نظيره”.

هذا هو واقع الحال إذاً.. الفجع يتحكّم بالبلاد والعباد وبالمرشّحين،و سيُمعن في التحكّم بنا منذ الآن وحتى صبحيّة 7 أيار 2018 تاريخ إنتهاء الحفلة. منذ الآن ولغاية تاريخه سنبقى نعيش بـ”عصفورية” حيث لا أحد يقيم وزناً لأحد.

عبد الله قمحلبنان