عصفوريّة وخداع وإستغباء للناخبين!

تتوسّل السلطة السياسية استجداء المقاعد النيابية بأي وسيلة ممكنة، حتى ولو بلغ بها الأمر حد الظهور بمظهر الغبية امام الناخبين! اساساً هؤلاء لا فرق عندهم، ولو كان كذلك لما اعادوا ايصال ممثلين عن طبقة سياسية تستغبيهم طوال عقود الى كراسي المجلس!

ثمّة شيء غريب يعتري هذه الانتخابات، يكمن في المضمر منها وليس بالمعلن، بحيث يصبح ظهور الطبقة كـ”غبية” أمراً مدروساً يراد منه اشاحة النظر عن أمرٍ ما تضمره وتسعى لتمريره تحت جنح 6 أيّار وتكريسه أمراً مفعولاً.

لقد تمحص من خلف الخطابات السياسية الاخيرة لأكثر من مرشح ان هناك “عصفورية” ارتسمت من هذه الانتخابات باتت تتجاوز مسألة تركيب اللوائح او التحالفات الهجينة. فتلحظ مثلاً أن نوعية الخطابات المستخدمة يقصد منها تمتين الطبقات الناخبة من الاقتراع، عاملةً على ضخ وحقن الغرائز المتنوعة في جسدها، من خلال محاولة ايجاد اعداء وهميون أو ارساء اجواء الخوف واستجداء مصطلحات الخطر، مما يرفع منسوب النية في الذهاب نحو خيار الاقتراع ثم تفجير كل التراكمات بصناديق الاقتراع يوم 6 ايار.

ومن الغرائب التي تمحصت ايضاً، ظهور سذاجة في تحديد العلاقات السياسية. فمثلاً يقدم رئيس لائحة الذي هو بالمناسبة رئيس لتيار، على مهاجمة اعضاء لائحة مقابلة يدعمها تيار وازن مكيلاً اليهم الاتهامات التي تصل حد الشك بنقاء دمائهم الوطنية، بينما نفس هذا الرئيس يقيم حلفاً في دوائر أخرى مع رئيس التيار الآخر الذي يقدم على مهاجمة مرشحيه.. هذا جنون!

وعلى نفس الوزن تدور معارك في دائرة جبَليّة بين حليفين وثيقين تجمعهما ورق تفاهم، وصلت حد التراشق الكلامي العلني بين المرشحين وتوجيه إتهامات بـ”الخذلان”، بينما يداوم مسؤولي الطرفين على عقد الاجتماعات الدورية وشرب القهوة! والامر يتشابه في دائرة جبَليّة ثانية بين حليفين “جمعهما الدم وفرقهما الصندوق” على حد قول احد المتابعين.

كذلك، تلحظ انه كلما اقتربنا من موعد فتح صناديق الاقتراع، تنبت ازمات جديدة بين رئيس تيار وممثلي حركة، تُستدعى من اجلها كافة انواع الاسلحة، من خطابات طائفية ومذهبية وتغريدات وتصريحات وردود، وعند كل دخول في جولة جديدة يرتفع الحديث حول بنودٍ خلافية، في وقتٍ ينضوي الطرفان بتحالفٍ إنتخابي في دائرتين!

فما سبب كل ذلك؟
يساور متابعين أن الخلافات والحركات التي تظهر بين الفينة والآخرى بين الحلفاء أنفسهم، المتحابون في لوائح والمتخاصمون في لوائح مقابلة، خاصة تلك التي تنبت قبيل الاقتراب من فتح صناديق الاقتراع، ليست سوى مظاهر متفق عليها، لا تغدو اكثر من كونها عدة شغل مدروسة، إذ يعمدون الى افتعال أزامات بينهم بغية تمرير المستور.

المستور هنا يكمن في توزيع الادوار بين افراد الطبقة السياسية، بحيث يذهب كل واحد الى خطاب معين يقصد من وراءه تجييش الناس كي تؤمن أعداد متوخاة من المقاعد ووضعها في سلته، تكفل تحديد حجمه عند اجراء عملية توزيع المقاعد بين الفرقاء، بعدما كان القانون الانتخابي المعتمد سباقاً في رسم طريقة هذا التقسيم. لذا تصبح كل الخطابات والخلافات والمهاترات والكباشات ليست سوى تكتيكات مدروسة ستقود لتوفير توزيع خريطة مجلس النواب صبيحة 7 أيار، بما يحفظ لكل التوازنات المتفق عليها لكل مكون.

وفيما السلطة منشغلة بالسعي للاستحواز على أكبر عددٍ من المقاعد النيابية للقبض على زمام الحكم، يجاهر متابعون انتخابيون من ان زمن الاقليات والاغلبيات الثابتة في مجلس النواب بات وراءنا، بحيث ان القانون الجديد أسس ليس فقط لتركيب لوائح او تحالفات هجينة، بل احلاف نيابية متحركة، تتقارب او تتنافر بحسب مستوى المصلحة.

ولمصلحة ذلك، نبتت محادل إنتخابية جديدة، لا تشبه المحادل بقدر ما تشبه الجرافات، بحيث غدا تكبير الحواصل في بعض الدوائر، هدفاً يعمل عليه الخلفاء/الخصوم في نفس اللائحة او اللوائح المتقابلة، لتمتين الاشرعة وعدم ترك مجالاً للخرق من قبل الطارئين على المشهد السياسي، الذين يعتبرون بالنسبة الى “اعضاء نادي الحكم” اغراباً وجب ابعادهم!

لا يتوقف الامر عند ذلك، بل طاولت ايادي الشغل الانتخابي مستوى محاولة محاصرة بعض البيوت السياسية التقليدية من الخصوم مجتمعين، وذلك تمهيداً لمحاولة الإجهاز عليها، وهذا يحصل في دوائر جبل لبنان والشمال وزحلة!

الانتخابات الايرانيةانتخاباتلبنان