صيف ساخن !

تحتدم المناخات الساخنة في المنطقة. في سوريا ثمّة اشكال حلول تُسهم في تراجع نيران حرب الوكالة لكنها تؤسّس لحرب بالأصالة. في فلسطين يلحظ ارتفاع نسبة الضغط مع إقتراب موعد 14 أيّار الذي حدّده ترامب لنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، وهو نفس الشهر الذي وقع عليه خيار اعادة النظر بالاتفاقيّة النوويّة مع إيران.

في لبنان هناك إرتفاع بمستوى السجال السياسي مع دخول اقتراحات القوانين الأميركيّة التي تستهدف حزب الله المشهد ما قد يرفع منسوب التأزيم على نحوٍ يجعل من البيئة اللبنانيّة مهيّئة لإمتصاص أنواع من تلك السخونة، ليظهر أن المسألة اللبنانيةّ تبدو ركن أساس في إنصهار الحِمم المتجمّعة أسفل بركان يشي نشاطه بثورانٍ جامح قد يَصبغ المرحلة المقبلة.

ثمة إحتقان شديد في المنطقة يقوم على عدّة مستويات:
– مستوى إسرائيلي متخوّف من تطوّر الحضور الإيراني في سوريا ويسعى إلى تطويقه
– مستوى إيراني يرتاب من النشاط الإسرائيلي الذي يأخذ أشكالاً ناريّة لمسها مؤخراً في قاعدة T4 الجويّة ويهدّد بالرّد
– مستوى لبناني حيث يُلتَمس حزب الله نذر تعدّي تأخذ أشكال قوانين يُعمل لسنها ضده في الكونغرس الأميركي

وتأسيساً على ذلك، باتَ الخروج من المأزق بحاجة إلى “صدمة” يبدو انطلاقاً من الوقائع، أنها ستكون من النوع الساخن بعدما بات الجميع أمامَ إحتمال الهرع نحو حفلة جنون قد ينزلق نحوها في حال إختار فريق معين أن يرد في مكان معيّن على استهداف معيّن.

بعد الغارة الإسرائيليّة التي استهدفت مطار T4، وهي قاعدة جويّة تقع في نطاق النفوذ الإيراني في سوريا، قال الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله من بيروت أن “ما قبل الغارة شيء وما بعدها شيء آخر”. كلام فُسّرَ في تل أبيب على أنه أدخل لبنان في عمق معادلة الإشتباك الإسرائيلي – الإيراني، وثمّة ظن من أن هذا الكلام يُرد من خلاله كبح جِماح إسرائيل عن القيام بأي ضربة مماثلة في المستقبل.

إيرانياً لم تستَسغ غارة تل أبيب. ثمّة تهديد جدّي إيراني بردّ اختارت القيادة العسكريّة هناك “تحديد زمانه ومكانه”. المؤشّرات الدوليّة تدلّ على أن التهديد جدّي ولا يُشبه التهديدات السوريّة، وما يزيد من جدّيته أنه يأتي في ظل تلويح أميركي بإعادة النظر بالإتفاق النووي، لذا يلحظ كثافة في النشاط الدولي الذي يسعى لتبريد الساحة.

حتى تل أبيب تُدرك أن الكلام الإيراني عن الرّد “كلام جدّي”، وكتدبير عسكري يعكس القلق المتنامي لديها، قرّرت القيادة العسكريّة تخفيض مستوى مشاركتها في مناورات “العلم الأحمر” التي ستجري في ولاية آلاسكا بالتعاون مع الجيش الأميركي وتستمر إسبوعين (ما بين 26 نيسان و11 أيار)، مبررةً الخطوة بـ”تقييم ظرفي أظهرَ تزايد التوتّرات على الحدود الشماليّة” وفق بيان صادر عن الناطق الرسمي بإسم الجيش الإسرائيلي.

التخفيض إنطلى على سلاح الجو، إذ وللمرّة الأولى منذ سنوات، قرّرت القيادة العسكريّة العدول عن قرار إرسال مُقاتلات جويّة من طراز أف-15 للمشاركة في التدريبات التي تجمع قوات أميركيّة وأخرى من أكثر من 12 كتيبة، وتقوم على حالات قتالية واقعية، مذلّلةً قرارها بـ”الحاجة للطائرات في الجبهة الداخليّة” وفق تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” بتاريخ 22 الجاري.

وأذا اخذنا التبرير الاسرائيلي كعينة، يصبح سهلاً تحليل أن إسرائيل تتحضر أو أقله تتوقّع رداً إيرانياً قد تكتفي بصدّه أو قد تتدحرج معهُ إلى مستويات أعمق تحتاج فيها إلى خدمات طيّارين وطائرات أف-15، علماً أن التدريب أصلاً يهدف إلى إتاحة الفرصة للطيّارين للتعمق في سيناريوهات قتاليّة تنطوي على ظروف شتاء صعبة وتنفيذ ضربات في حدود بعيدة ومحاكاة واقعيّة لاندماج في عمل عسكري متعدّد الجنسيات والوظائف.

السفير الأميركي السابق في سوريا والباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، روبيرت فورد، كان أكثرَ دقّة في توصيف المشهد، إذ كشف في مقالة بصحيفة “الشرق الأوسط” أن ضابطاً إسرائيلياً يزور واشنطن حالياً كشف له أن إسرائيل لن تقبل بالوجود الدائم للقوات الإيرانية في سوريا وستتخذ الإجراءات العسكرية اللازمة” مستخلصاً أن “الحرب المقبلة لن تشمل سوريا فقط بل لبنان أيضاً”، وهذا يخدم نظريّة الحيطة الاسرائيليّة.

ورأى في مقالة تحت عنوان “صيف حار بين إسرائيل وإيران” أن ثمة إتفاق واسع المجال بين المحلّلين السياسيين في واشنطن الآن، على أن الحرب بين إسرائيل وإيران في سوريا باتت أمراً لا مفرَّ منه. ولا يعرف أحد متى – على وجه التحديد – ستنشب هذه الحرب.

عمليّاً وبالعودة إلى المستوى الأول، لا تهضم تل أبيب الحضور الإيراني في سوريا، لكنها وفي أيٍ من المرّات، لم تقدم على توجيه ضربة مباشرة إلى هذا الحضور، بل كانت تكتفي بإتباع تكتيك “ناعم” يقوم على إستهداف شاحنات أو مراكز يقال أنها تنقل أو تُستخدم في تطوير صواريخ لصالح حزب الله، وهي المرّة الأولى التي يحصل فيها إستهداف صريح وعنيف.

وبحسب جيروزاليم بوست “يدل ذلك على قرار رفيع بتعديل القواعد” يفصح عن بعض فقراته وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي أكّدَ قبل أيّام أن سياسة حكومته “تقوم على منع تعزيز الوجود الإيراني في سوريا” مضيفاً في مقابلة لـ”راديو إسرائيل”: “بغض النظر عن الثمن، لن نسمح بأن يتشكّل منحى معادٍ حولنا”، لكنّه عاد وأكّد أن “دورنا الأساسي هو في منع الحرب، وهذا يتطلب ردعاً ملموساً حقيقياً بالإضافة إلى الإستعداد للعمل”.

على المستوى الإيراني، يُنظر إلى الحضور في سوريا على أنه “ضرورة إستراتيجيّة” تحتاجها طهران كورقة قوّة أوّلاً ولحماية حلفائها ثانياً ثمّ حدودها ثالثاً، يصبح بالتالي عليها حماية هذا الوجود.

بناءً على ذلك، تصبح الضرورات كما الأهداف بين الفريقين متضاربة ومتعاكسة حد التنافر، ما يفسح في المجال أمام تبديل التكتيكات، ومما يُعد عاملاً في رفع السخونة ليس فقط الضربة الإسرائيليّة بل التعديل بخارطة الوجود العسكري على الأرض، إذ تتغيّر على نحوٍ لافت لصالح تحالف النظام (الدولة) – روسيا – إيران – حزب الله، ممّا يخدم بشكل أساس الحزب الذي يُحضّر الجهة السوريّة لدور مركزي في أي مواجهة قادمة بينه وبين إسرائيل.

لذا يقترح وزير الاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتز، أن تقوم القوى الدوليّة بالتدخّل للحد من النشاط الإيراني في سوريا.

ويقول لموقع صحيفة “يديعوت أحرنوت” المقرّبة من الجيش الإسرائيلي “أننا غير مهتمّون بالتصعيد، إلا في حال مُسّت القوّة الإسرائيلية”، علماً أن القوة التي يتحدّث عنها، إختبرت إهتزازاً ثقيلاً حين اُسقطت طائرة من طراز أف- 15 قبل أشهر قليلة بصاروخ أرض جو موجّه أطلقته بطّاريّة سوريّة بعد إحتكاك إيراني – إسرائيلي غير مباشر فوق الجولان.

ومن مظاهر هذا التدخل الذي يتحدّث عنه كاتزه، ما نشهده في لبنان بشكل ناعم، إذ تقدّم عضوان في الكونغرس الأميركي، (جمهوري وديمقراطي) بمشروع قرار يدعو لـ”نزع سلاح حزب الله” حمل الرقم HR5540.

اللافت في الإقتراح الذي يُقسم على 5 أقسام ويبني نفسه على القرارات الدوليّة 1701 – 1559 – 2373، أنه يطلب خدمات إستخباراتيّة لوضع تقرير تقديري عن ترسانة حزب الله في موعد لا يتجاوز 90 يوماً بعد سنّ القانون، يكون من صلاحيات مدير الإستخبارات بالتشاور مع وزير الخارجيّة، وهذا لن يحصل إلّا من خلال أدوات ميدانيّة تحضرّ إلى بيروت بصفة محققين، ما قد يفسّره حزب الله على أنه “تدخّل حربي مباشر” يأتي لصالح تنقيح بنك الأهداف الإسرائيلي.

ويعني ذلك أيضاً أن واشنطن تُخطّط لدخول إستخباراتي موسّع بذريعة قانونيّة إلى لبنان، عبر إرسال وفود عسكريّة مهمّتها تقصّي حقائق حول حزب الله، على شاكلة زيارة الجنرال جوزف فوتيل الأخيرة التي يُسرّب أنها تناولت منطقة عمل القرار 1701، وهو أمر سيرفضه حزب الله وحلفائه الداخليون والأقليميون، ما قد يرفع نِسب التوتّرات الداخليّة في حال إنقسم اللبنانيون حول تفسير هذا القرار، الذي سيكون حُكماً ملزماً للبنان ويفرض تعاوناً رسمياً كقوانين العقوبات، ما قد يتسبّب بإحراج للمؤسسات الأمنيّة والعسكريّة والسياسيّة، ويرفع من منسوب الضغط الذي قد يولّد إنفجاراً عند أي إحتكاك قد يحصل.

حزب اللهصيف ساخن