35 دولاراً لتشويه الانتخابات !

يلاعب أحد الخبراء الانتخابيين القلمَ بين يديه وهو يستمع إلى ما تُذيعه على مسمعه من مفردات الاستغراب والاستهجان من الأحوال التي وصلَ إليها الإستحقاق الإنتخابي، والتي تلُامس درجات القرف. أساساً، تُشبه مداعبة الخبير للقلم تلاعبَ السياسيين بناخبيهم، فيقذفونهم يمنةً ويسرى، وهؤلاء على قلبهم مثل العسل، مثلهم مثل القلم لا حول لهم ولا قوّة!

قبل أن يأخذَ مجالاً للتفكير، ترميه بسؤال يتعلّق بالكارمس الانتخابي الجاري الإحتفاء به بعد غيابٍ دام 9 أعوام، فيسارع للإجابة: مصيبة لبنان أنه بلد منكوب! ليس بإقتصاده أو تاريخه بلّ بسياسييه الذي جاءُوا بالصدفة أو بضربة حظ أو نِعمة موروثة أو قاعدة بلهاء جعلت منهم آلهة أو أنصاف آلهة.. النق لا يجب أن يكون على الحال بلّ على المُتَسبّب بهذه الحال.

هو ليس بكارمس إنتخابي بل حفلة تنكُّريّة، الكلّ وضع أقنعة أمام الكلّ ونزلَ إلى الساحة “يفتل” بين الحاضرين. تنوّعت هذه الأقنعة. في أغلبها جميلة ولكلٍّ منها مِيزة. عموماً هي لن تدوم طويلاً، ستُنزع صبيحة 7 أيار لتظهر الوجوه على حقيقتها، عندئذٍ يكون إلي ضرب ضرب وإلي هرب هرب.

يجاهر السياسيون من أعضاء “نادي الطبقة” بلا خجل بنسف حلم الانتقال بالبلد إلى واقع سياسي مغاير قوامه التمثيل النيابي الصحيح، بعدما أمعنوا بتشويه المشوه في القانون وجعله جسرَ عبور لهم نحو مصالحهم التي لا تتلائم وتطلُّعات الناس، وهم للغاية يبتكرون ولا زالوا كافة السُبل التي تَضمن لهم هذا الإنتقال المشوّه المبني وفقَ حساباتهم!

على أبواب فتح صناديق الإقتراع، بدأت تُطرح إشكاليات متنوّعة، تمس جوهر وشفافيّة العمليّة الإنتخابيّة، ويدلّ طرحها على وجود مخاوف من إنتقال عمليّة التشويه المبرمَجة إلى أقلام الإقتراع، حيث تَختَتِم الطبقة مشوار إستهدافها لمعالم العمليّة الديمقراطيّة بتوجيه الضربة القاضية.

لدى بعض المرشّحين وجمعيات تتبنّى مراقبة الانتخابات وتحضيراتها، قائمة “طويلة عريضة” من المخالفات التي لم تعد تتّسع لها الأوراق. مشكلتها أنها تخلو من الدليل الحسّي الملموس، وتستند فقط على روايات مصدرها سياسيون متخاصمون أو أفراد أو مراقبين. يبرّر الخبير غياب الدليل بـ”خبرة الماكينات في التنصّل من الأدلّة لكون لها باعٌ طويل في إدارة هذه العمليّات منذ سنوات”.

في زمن التطوّر والتكنولوجيا تُصبح الهواتف الذكيّة وتطبيقات السوشيال ميديا فيروس له القدرة على إصابة شفافيّة العمليّة الإنتخابيّة، بحيث زادَ دخولها من العوامل التي قد تُستخدم في عملية تشويه الإقتراع، وسمح التطوّر لبعض الماكينات الإنتخابيّة، إبتكار أفكار جديدة لتمرير عمليّات تلاعب تخدم توجّهاتِها، ولعلّ شراء الأصوات وتجييرها لصالح بعض اللوائح يشكل نسبة 90% من إبتكاراتهم.

يقودنا البحث لكلام كان قد أطلقه المرشّح عن المقعد الماروني في دائرة الشمال 3، النائب بطرس حرب، حول ” نظّارات وأقلام من صنعِ الصين مجهّزة بآلات تصوير تسمح للناخب بتصوير ورقةِ الإقتراع قبل وضعِها في الصندوق أدخلت إلى السوق قبل فترة، سعر الواحدة يتراوح بين 25 إلى 35 دولاراً”.

حرب كغيره لا يملك أدلّة ملموسة، لكنه يستعين بتوجيه إتهاماته على شهادات لناخبين.

يتحدّث حرب لـ”ليبانون ديبايت” عن وجود عمليات شراء أصوات بشكل واسع في القرى السُنيّة في القضاء، كاشفاً أنه وفي أحد اللقاءات التي عقدها في بلدة شماليّة، سأله أحد الحاضرين عن المبلغ الذي يدفعه لقاء التصويت للائحته، فإستغرب الطرح ليردّ عليه بسؤال “هل هناك من يدفع”؟! لم يخجل المواطن، عارضاً أمامهُ قيام لوائح متخاصمة بعرض المال عليهم، ليستدرك حرب أن المواطن أتاه مفاوضاً على السعر، فسارع لإجابته: “لا نملكاً مالاً لندفعه”..

تتخذ عملية بيع الأصوات أشكالاً مقنّعة، نتحدث هنا عن عملية واسعة بقدرات لا تتحمّل أتعابها لوائح صغيرة بل كبرى تحسب على قوى سياسيّة لها إمتدادات وجذور وقدرة شرائيّة على تبضع أشياء كالتي كشف عنها بطرس حرب.. لكن لماذا على الناخب أن يصور ورقة الإقتراع؟

حتّم القانون الجديد أن تَطبع وزارة الداخليّة اللوائح وليس الماكينات الإنتخابيّة كما كانت تجري العادة، حيث كانت الماكينات تقوم بطباعة لوائح متنوّعة و”تعليمها” ما يكفل لها تأمين شراء الأصوات ووسمها وتجييرها على نحوٍ مدروس.

طباعة اللائحة سلفاً فرض على الماكينات التي تروّج لعمليّات شراء الأصوات إعتماد طرق تؤمّن إلتزام الناخب الذي يفترض شراء صوته بخيار الجهة المشترية، وهذا لا يضمنه سوى عمليات تصوير الورقة بعيد تعليمها.

الموضوع لم يعد محصوراً بقضاء واحد بل يتمدّد، إذ يجري تناقل معلومات أن إحدى الماكينات في دائرة بيروت 2، طلبت من مفاتيحها الإشتراط على ناخبيهم تصوير عمليّة الإقتراع من داخل القلم، وإظهار منح صوتهم للائحة ثم التفضيلي للمرشح المحدد كي يجري دفع المبلغ المتّفق عليه.

لكن هذه العملية تشوبها مخاطر تكمن في توفير دليل لدى المقترع من أنه “قبض” ثمن صوته، ما قد يجعل الدليل يُستخدم لإدانة اللائحة ومرجعّيتها. وحتى لا تدخل تلك اللائحة في نفق، حذّرت الماكينة المفاتيح من مغبّة تخصيص رقم لإرسال تلك الصور، والإكتفاء فقط بمعاينتها نظريّاً من هاتف المقترع للتأكّد من إلتزامه بالمتفق عليه!

ثمّة أوجه أخرى لشراء الأصوات يغيب عنها المال. مثلاً ظهر في قرى شماليّة وأخرى على إمتداد الساحل، عملة “توزيع المساعدات العينيّة”، وهي عبارة عن سِلَل تضمّ مواداً غذائيّة، تقول مصادر موثوقة لـ”ليبانون ديبايت” أنها تستهدف المناطق السنيّة دون غيرها.

وبعيداً عن شراء الأصوات والذِمم، ظهرت أشكال “مكر” في بعض الدوائر، إذ يتضح أن ماكينات انتخابيّة تعمل على إستهداف ولوائح خصمة، من خلال ترويج تسجيلات صوتيّة “مفبركة” أو اجراء إتصالات بناخبين مسجّلين مقترحةً عليهم شراء أصواتهم لقاء تسليم هويّات أو ما شاكل، والهدف هو إستخدام ذلك ضد تلك اللوائح “الضحيّة” لتشويه صورتها، ما حدا بكثيرٍ منها إلى وضع منشورات مدفوعة على مواقع التواصل تحذّر من أنها “بريئة” من هذه الإتصالات.

تشويه الانتخاباتدولار