وزير الدفاع مُعجب بالأميركيين !

عَجيب امرَّ وزير الدفاع يعقوب الصرّاف “الزعلان” من التيّار الوطنيّ الحرّ! يتصرّف الرجل على نحوٍ غريب. يختفي فجأةً ليُقاطع إحتفال إعلان لائحة “عكّار القويّة” ثم يظهر جائلاً في طرابلس، يضغط لوضع بند “دفاعي” على جدول أعمال مجلس الوزراء ثم يتراجع ويتماشى مع قرار سحبه.

ثمّة مآخذ كثيرة على الصرّاف، تتجاوز البعد المحلي وتصل في جانبٍ كبيرٍ منها إلى الإقليمي، خاصة من قِبل حلفائه الذين لم يعودوا يفهمون مزاجه السياسي ولا تقلّباته.

قبل نحو عام، دُعيَ الصرّاف للمشاركة في حفل غداء أقامته شخصيّة سياسيّة (مرشّحة إلى الانتخابات اليوم) في دارتها المشرفة على شاطئ البحر، وكان الغداء يجمع عدداً من السفراء العرب والغربيين.

صعَدَ يومذاك أحد السفراء الغربيين وبدأ بالتجهّم على الرئيس السوري بشّار الأسد ودوره، ولم يستثنِ الهجوم الفئات المحسوبة على “محور المقاومة” في لبنان مكيلاً لهم عظائم الامور، وبعد أن فرغَ السفير من كلامه، صعد الصرّاف على المنبر، وتناهى للحاضرين أنه سيؤدّب السفير، لكن المفاجأة كانت أن حاضرَ عن ضرورة النهوض بالإقتصاد اللبناني!!! صُعق بعض الحاضرين من تجاهل الصرّاف للهجوم على حلفائه وهو الذي يُعرف عنه علاقاته الوطيدة مع دمشق، كيف لا وكان يوماً وزيراً ملكاً.. اليوم يصعق حلفائه من غرقه في بُحيرة الإعجاب بالأميركيين.

قبل أيّام، لم يبخلّ أحد الدبلوماسيين الروس في بيروت الذي شارك في مناسبة خاصة حضرتها شخصيّة رفيعة، بتوجيه إنتقادات لاذعة للصرّاف، وتوجيه إتهام صريح له بتحمّل مسؤوليّة “معنويّة” عن تجميد مفاعيل إتفاقيّة التعاون العسكري بين روسيا ولبنان، والاخلال بالوعود المقدّمة لموسكو، وأنه “لا يفعل شيء” من أجل تمرير الإتفاقيّة إلى مجلس الوزراء كي يتّم اقرارها، بلّ ذهب الدبلوماسي حد الظن بأن الصرّاف ورئيس الحكومة “يفعلانها عن قصد” ناقلاً إمتعاض القيادة الروسيّة من هذا الاسلوب المتّبع معها.

الغضب الذي عبّر عنه الدبلوماسي يرتفع منسوبه يوماً بعد آخر، ويزيد كلّما أمعنَت الحكومة اللبنانيّة بـ”تطنيش” إلتزاماتها.لكن السؤال المثير للجدل هو لماذا يقطَع الطريق على الإتفاقيّة حتى لا تمرّ إلى مجلس الوزراء بعد أن كان يدفع صوب ذلك، ولماذا يُورّط لبنان في مشكلة مع روسيا؟ هل بعض مسؤوليه مدفوعين لذلك أم مجبورون عليه؟

القصّة تبدأ من التطوّر الذي طرأ على علاقة الصرّاف مع القيادة الوسطى الأميركيّة والتي يداوم قائدها، جوزف فوتيل، على زيارة لبنان، إذ تَلحظ أوساط، ظهور ملامح تبدّل لديه حول طبيعة النظرة والعلاقة مع واشنطن.

هذا التبدّل لمسته القيادة الروسيّة خلال إنعقاد مؤتمر الأمن الدولي السابع في موسكو بين 18 و19 نيسان الجاري، إذ تغيّب الصرّاف عن المشاركة، علماً أن موسكو كانت تنتظر قدومه ممهوراً بتوفيضه توقيع إتفاقيّة التعاون كي تسلك الإطار التنفيذي، وهو ما شكّل الصدمة الأولى لها، وإعتبرته “تهرّباً لبنانيّاً واضحاً”، على إعتبار أن الحكومة اللبنانيّة وعدت بإتمام موجباتها حيال الإتفاق، وأبدت إلتزاماً بتفويض الوزير توقيع المُعاهدة بعدما حصلت على موافقة روسيّة مكتوبة وردتها بتاريخ الأوّل من شباط 2018.

كان قبل ذلك يُلتَمس مسار ضغط أميركي واضح على لبنان الهدف منه تَسديد ضربة تُسقط الإتفاقيّة في مهدها، تجلّى ذلك يومَ طلب الرئيس سعد الحريري في جلسة الحكومة المنعقدة بتاريخ الثلاثاء 27 آذار المنصرم، سحبَ بند مشروع إتفاق التعاون العسكري لمراجعته، فأعاده الصرّاف إلى قيادة الجيش من أجل مزيدٍ من التدقيق به، فقامت الأخيرة بعد أيّام بإجراء المراجعة دون أن يطرأ على المسودة أي تعديل، فجرت إعادته إلى وزارة الدفاع كما هو، وكان يفترض أن تقوم الوزارة بإرسال المسودّة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء كي يجري إدراجها على جدول أعمال أوّل جلسة.

مرَّ أكثر من شهر ومرّت أكثر من جلسة ولم تجد الإتفاقيّة طريقها إلى الجدول، مع العِلم أن مصادر “الدفاع” تؤكّد أن الإتفاقيّة اُرسِلت من عندها ووضِعَت لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، فأين هي الإتفاقيّة التي وعِدَ الرئيس الحريري بإيلائها الأهميّة، وأين هم حلفاء روسيا من ما يجري؟

إلى اليوم لا جوابَ مُقنع سوى ما يُسرّب عن وزراء وبعض الدبلوماسيين من أن الإتفاقيّة طوّقَت بأصفاد وضعتها القيادة الأميركيةّ ببركة مستشاري رئيس الحكومة، بعد أن خيرّت لبنان بين الأسلحة الروسيّة “المدفوعة” وبين هِباتها.

ووسط هذا التدخّل الأميركي والغضب الروسي من طريقة الممارسة، يُعتبر الجيش اللبناني الخاسر الأكبر، سيما وأنه يعوّل على حصوله على أنظمة أسلحة روسيّة ترفع من قدراته التسليحيّة.

عدم الرِضى الأميركي يحوم حول “التباسات” -بالنسبة إليه- ظهرت في مسودّة الإتفاقيّة، ظاهرها يتعلّق بإستخدام المطارات والمرافق، وباطِنَها يتّصل بالخوف من الدخول العسكري الروسي على الساحة اللبنانيّة الذي يترابط مع الصعود العسكري الروسي في المنطقة، وهو ما تصفه مصادر دبلوماسيّة روسيّة لـ”ليبانون ديبايت” بأنه “لا يركب على كف”.

وتوضح أن التعاون العسكري بين وزارتي الدفاع الروسيّة ونظيرتها اللبنانيّة قائمٌ منذ سنوات، أمّا الإتفاقيّة، فأريدَ منها أن تكون “إطاراً قانونياً لتريسخ العلاقات، وباباً يُفتح لتعزيز المساعدات ومدّ الجيش اللبناني بتقنيات متطوّرة” مضيفةً أنها “إتفاقيّة روتينيّة عاديّة مشابهة لاتفاقيات أخرى موقعة مع دول أخرى، ولا تتعارض مع الموجبات والمتطلّبات اللبنانيّة”.

في حقيقة الأمور، وإن اُريدَ البحث عن أسباب الإعتراض الأميركي، يتّضِح أن واشنطن تخشى من إرتماء لبنان بالحضن الروسي الذي يغريه بالأسلحة المتطوّرة، ومن بينها الصواريخ المضادة للدروع (كورنيت) والمضادة للطائرات، ما يعني خروجه من كمّاشة النفوذ الأميركي، كما تتخوّف واشنطن من أن تتحوّل اليابسة اللبنانيّة لنموذج مطوّر، بقواعد تُشبه إلى حدٍ ما تلكَ القائمة في سوريا.

وتُسرّب واشنطن لدى بعض المقرّبين منها في بيروت الذين يتكفّلون بالترويج الإعلامي، من إمكانيّة أن يستَفيد حزب الله من الدور الروسي الجديد، عبر حصوله على أنواعاً محدّدة من الأسلحة، فتصف مصادر معنيّة ما يروّج بأنه “قنابل دُخانيّة هدفها الإعماء عن أصل التعاون”.

ودون أدنى شك، فإن ضغط واشنطن من أجل فرملة إتفاقيّة التعاون، خلفه مصالح “إسرائيليّة” واضحة، إذ تخشى تل أبيب على حرّية حركة سلاح جوّها في حال اُقرَت الإتفاقيّة وتجاوزت حدود التعاون العادي إلى المستوى الإستراتيجي، الذي قد يتضمّن نصب صواريخ مضادة للطائرات لحماية الأجواء اللبنانيّة من الإنتهاك وإستخدامها ممرّات ونطاق إستهداف يتعارض والاستراتيجيّة الروسيّة في المنطقة، كما حصل مؤخراً في إستهداف قواعد ومطارات داخل سوريا.

لكن مصادر سياسيّة لبنانيّة عليمة، تسأل الحكومة بشخص رئيسي الجمهورية والوزراء عن الإستفادة المرجوّة من قطع دابر الإتفاقيّة والمصلحة من تكرار نكث العهود مع موسكو.

وتقول إذا كان الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري يبحثان عن تمكين الجيش من دوره، مزنراً بإستراتيجيّة دفاعيّة يدعوّان لبحثها، فأين هي هذه الإستراتيجيّة وعلى ماذا ستقوم وكيف تقوم بظلّ الإستهتار والتعامل مع دول كبرى لها وزنها بطريقة مُخزيَة، وكيف لهذه الإستراتيجيّة أن تُبنى على سلاح أميركي لا يقدّم أكثر من رناجر وناقلات جُند وطلقات؟!

وزير الدفاعيعقوب الصراف