عناصر الحوار : الاستراتيجية العليا في لبنان

5 يناير, 2012 - 5:01 مساءً
عناصر الحوار : الاستراتيجية العليا في لبنان

التحليل الاستراتيجي في الحدث نيوز

بقلم العميد الركن المتقاعد الدكتور وليد زيتوني

بعيدا عن الضوضاء الاعلامية ، والاطروحات الديماغوجية ، والمصالح التنظيمية الضيقة ، والمنافع الشخصانية للزعامات المحلية ، وفي سبيل حوار هاديء ورصين. يتوجب علينا وقبل دراسة الاستراتيجية العسكرية ، الدخول في مسح جدي لعناصر  القوة والضعف في الاستراتيجية الشاملة للدولة في لبنان ، بإعتباره كيانا موجودا ، بغض النظر عن التصورات العقائدية التي تتعامل مع كينونته وتاريخه .

يمتاز لبنان بالموقع والمناخ والتضاريس ، وتنقصه المساحة التي تؤثر بشكل مباشر في الصناعة والزراعة كعوامل اقتصادية . الموقع والمناخ حوّلا  الاقتصاد الى اقتصاد خدمات يقوم عل السياحة والترانزيت ، واقتصاد الخدمات اقتصاد هشّ ، يرتبط بالظروف الامنية ، وطبيعة العلاقة بالدول المجاورة ، وتحديدا سوريا ، التي نتشارك واياها معظم الحدود البرية القائمة .

يمتاز لبنان ايضا ،بالنشاط الفردي على المستوى الاجتماعي _الاقتصادي ، كما في الميادين العلمية والثقافية ، الا ان هذا النشاط لم يترجم الى انصهار وطني ، وتماسك مجتمعي الا بالشكل . الابداع والمبادرة الفردية ، لم تنطلق من واقع مؤسسي  ،ولم تتحول الى مأسسة دولانية .حتى الانتشار اللبناني في المغتربات ،وان ساعد في الموارد غيرالمنظورة للدولة في ايام الشدائد ، لكنه بقي في السياق العائلي والاسري ، ولم يترجم كرافد إقتصادي وسياسي للمؤسسات .

الجيش كركيزة اساس ، يمتلك الخبرات الممتازة ، والقدرات العلمية  المتقدمة، التنظيم الجيد ، والموقف السليم ، الا انه مكبّل بمسألة التسليح النوعي المتكامل .التي ادى وعلى امتداد تاريخه الى اتخاذ مواقف دفاعية غير رادعة بما فيه الكفاية ، رغم البطولات التي سطّرها في اكثر من موقع ومكان .

يقع لبنان تحت تأثير مشاريع جيوبوليتكية وجيواستراتيجية متعددة المصادر ، شرقا وغربا ، رفعت وتيرة الانقسامات ، وزادت في الشروخ الداخلية للانتماء الوطني .ولبنان كعضو مؤسس في الجامعة العربية ،لم تستطع  هذه الجامعة ان تقدم له الحماية ،كما لم تستطع ان تقدّم لغيره ، فهي عجزت عن منع التقسيم في السودان ،وهي لم تستطع ردع الاعتداءات المتكررة على لبنان وسوريا والاردن ومصر ، ولم تستطع  استعادة ولو جزءا من فلسطين . فهي منظمة عاجزة  عن تعميم  حتى اللغة العربية على جميع اعضائها  . أما الامم المتحدة وهي عصبة الدول المنتصرة بالحرب ، تنفذ مخططات ومصالح الدول الكبرى المتشاركة في مجلس أمنها . في الجنوب “اسرائيل”  ، كيان عنصري  ،استعماري  ،استيطاني  قائم على انقاض فلسطبن ،له اطماع واسعة في المنطقة ،خاصة في لبنان . ان اجتياحات هذا الكيان المتكررة على الارض اللبنانية ، واعتداءاته على السكان والمياه ، في ظل غياب الدولة القوية والقادرة ،ادى الى قيام مقاومة ،حققت انجازات كبيرة في الصمود والتحربر .

لا يملك لبنان بالواقع اي من عناصر القوة المستدامة ، لا في الاقتصاد ، ولا في القدرة العسكرية الحالية دون تسليح حقيقي للجيش ، ولا في السياسة والدبلوماسية غير المدعومة بالقوة .ان شبكة العلاقات والصداقات  الدولية تفيد بقدر ما تمتلك من وسائل يحتاجها الاخر في عملية تبادل المصالح والمنافع .

يحمل الموفدون الدبلوماسيون والسياسيون الاجانب ، بالوكالة او بالاصالة ، في جعبهم ثلاثة اوراق، لا غير، يفاوضون على اساسها ، مع الدولة كما مع القوى السياسة المحلية التي درجت على نسج علاقاتها الخارجية بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة ،هذه الاوراق هي: النفط اللبناني  القابل للاستخراج من المياه الاقليمية ، المقاومة وسلاحها ،توطين الفلسطينيين في  لبنان . وهي الاوراق الضاغطة  الوحيدة  التي تمتلكها الدولة .أما بقية الموضوعات فمسائل فرعية ، تخدم سلبا أو ايجابا ، ثالوث  القوة  المذكور اعلاه . ففي هذا الثالوث المتداخل تقع الاهداف الاساس ومصائرها  ،للمشاريع الخارجية : امن “اسرائيل ” ، واستمرار الهيمنة على مقدرات العالم المادية .

ان استمرار الارتهانات لمشاريع الاخرين ، في سبيل تحسين المواقع الداخلية ، للقوى المحلية ،قوّض مفهوم الدولة واسقط قدرتها على استخدام آخر الاوراق الاستراتيجية التي تملكها . كما ان التشدّق بضرورة سيطرت الدولة يستلزم الانصياع لموجبات عناصر القوة في استراتيجيتها ، لا الى ضربها ،وتفريغها من مضمون هذه القوة ، تحت شعار الصداقات والصدقات الدولية ” وقوة لبنان في ضعفه ” .

ان الحوار يبدأ من ثوابت القوة  لتحصينها، لا من الحوار على ثوابت  القوة لتدميرها .

5 يناير, 2012

إعلانات

حدث الساعة

اعلان

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل