تداعيات الاستراتيجية الاميركية الجديدة

18 يناير, 2012 - 2:14 مساءً
تداعيات الاستراتيجية الاميركية الجديدة

خاص الحدث نيوز

التحليل الاستراتيجي بقلم العميد الركن المتقاعد وليد زيتوني

الاعلان عن قواعد عمل جديدة للاستراتيجية الاميركية ، يؤشر لمرحلة مغايرة على المستوى العالمي . هو اعلان رسمي اميركي ، بل اعتراف واضح وصريح ، ان نظاما عالميا متعدد الاقطاب حط رحاله على الساحة الدولية . الوقع ان الادارة الاميركية الحالية ، لا تمرر مشروعا انتخابيا في سياق اعادة انتاجها ،بل مسألة عضوية ضرورية لا يمكن لأي ادارة قادمة ان تتجاوزها .

لم تجلب سياسة الهيمنة والتفرد الاميركي ،الا العداء  الدولي  ،والانهيار الاقتصادي الذي ادى الى كسر حدة الرفاه الموعود للشعب ، وهومع قرينه “خلق عدو دائم ” العاملان الجامعان للانصهار المجتمعي في الولايات المتحدة .فالحروب العراقية والافغانية  ، والتدخل في  البلقان والصومال ولبنان وجورجيا  وغيرها، وانتشار القواعد في اوروبا والمحيطين الهندي والهاديء وفي البحر الابيض المتوسط ، واواسط اسيا والخليج العربي ، وفي اليابان وكوريا ، شكل عبئا كبيرا على الميزانيات المتتالية واوقع الخزينة الاميركية في عجز يتراكم يوما بعد يوم حتى وصل الى حافة الانهيار . كما  أملت الضرورات  التوافق مع الحالة “الاسلامية ” في العالم العربي ،بعدما شكل الاسلام على مدى عقدين عدوا ايديولوجيا وامنيا . ان  سقوط  ،هذين العاملين  ،اجبر الادارة الاميركية  اتخاذ قرارات حاسمة قبل فوات الاوان .

 الاعلان عن هذه القواعد والعمل بموجبها ، هي عملية استباقية دفاعية على المستوى الاستراتيجي ، نتيجة لبروز دول كبرى تبحث عن مصالحها وامنها القومي على انقاض الخلل  والتراجعات المحسوبة للقوة المتفردة عالميا . وهي بهذه النقلة أمنّت  على نفسها من تهديدين يطاولان بنيتيها  المجتمعية والاقتصادية . وبالتالي تبنّي نظرية ” التوازنات الخارجية ” المنطلقة من التبادل النفعي على اساس الاحلاف . هي نظرية كانت سائدة في الولايات المتحدة قبل عهد ” رونالد ريغن ” وفي بدايات الحرب الباردة . تؤمن وفرا اقتصاديا  بعدم اشتراكها في الصراعات القومية المباشرة ، او على الاقل عدم تحمّلها اعباء هذه المواجهات بصورة منفردة .

لا شك ، ان الادارة الاميركية عملت على بلوّرة هذه القواعد ، وأخذ ت الاجراءات الكفيلة باعتمادها قبل الاعلان عنها . لان الاعلان قبل الوصول الى نقطة أمان ، يعني وبكل بساطة ، استكمال الدول المضادة هجومها بفعالية ووتيرة معنوية عالية على المصالح الاميركية المنتشرة على امتداد العالم ،بحيث لايمكن توقع نتائجها الكارثية . من هنا جاء نشر الدرع الصاروخي في شرق اوروبا وفي تركيا ، كعملية وقائية لكبح امكانية استثمار الانسحاب الاميركي من العراق حاليا وافغانستان لاحقا  وبعض مناطق النفوذ الاخرى. وعلى نفس القاعدة نستطيع قراءة الموقف الروسي من نشر منظومة الدرع الصاروخي والاعلان عن امكانية مهاجمة هذه القواعد  وارسال الاسطول  الى البحر الابيض المتوسط . ومن هنا ايضا نفهم معنى ومضمون المناورات الايرانية ، وقوة التصريحات المرافقة  ، فيما خص أمن الخليج .كما نفهم التحرك البريطاني المساند في لحظة تناقص القدرة الاميركية .ونستطيع تفسير عدم التدخل العسكري الكامل للولايات المتحدة في الحرب الليبية ، وايكال المهمة الى حلف شمالي الاطلسي ودول اخرى .ونفسّر  عدم اللجوء الى تدخل  عسكري واسع في الاحداث السورية على  شاكلة النموذج الذي إعتمدته  بالعراق .

قد يكون من المبكر ، استنتاج كافة التداعيات المترتبة على هذا التحوّل ، ولكننا سنبرز بعض النتائج الواضحة .

اولا : تقليص التواجد العسكري في اوروبا ، واعطاء دور عملاني  اكبر للحلف الاطلسي . لكن هناك تساؤلات  جدية حول تماسك هذا الحلف بعد رفع السيطرة الاميركية عنه . وهل ستبقى اوروبا موحدة في ظل الازمة المالية في منطقة اليورو ؟ أم ستستعيد اوروبا نزعاتها القومية ، بعد فشل التجارب السابقة ؟

ثانيا :تخفيض عديد القوات الاميركية بمعدل 60الف جندي وربما اكثر ، بهدف عصر الميزانية العسكرية وتحقيق وفر يقارب 450 مليار دولار خلال عشر سنوات ، اي ما يشكل نصف الميزانية العسكرية المرصودة لتحريك القوات .وهو ما سينعكس سلبا على قدرة الحركة . بحيث لا تتمكن الجيوش الاميركية من شن اكثر من حرب واحدة وعلى جبهة واحدة في نفس الوقت ، بعد ان كانت تتجاوز هذا المعطى سابقا .

ثالثا : التركيز على منطقة اسيا ، وتحديدا في المحيط الهندي ،في اوستراليا ،بالقرب من منابع النفط العربية وفي جمهوريات اسيا الوسطى ، لتبقي على حصار الصين عسكريا واقتصاديا ، هذا ما اثار ردودا فورية من الصين .

رابعا : البقاء على الالتزام بحماية وامن “اسرائيل “، باعتبارها خطا احمرا في الامن القومي للولايات المتحدة في مرحلة تقاسم النفوذ اذا ما بدأت الحرب الباردة من جديد . وهو ما جعل روسيا ترسم خطها الاحمر الموازي في سوريا . وعلى هذا الاساس  يتحول العالم العربي الى منطقة تنازع نفوذ لم تتبلور الوانه الجديدة بعد .

باختصار ، اميركا بحالة تراجع ، وان تدخلها في الازمة السورية كشف عوراتها الاستراتيجية ،بعد ان دقت المقاومات في العراق ولبنان وافغانستان المسامير في نعش سيطرتها الامبراطورية .

18 يناير, 2012

إعلانات

حدث الساعة

اعلان

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل