العقوبات الإقتصادية الظالمة ضد سوريا يمكن أن تشكل فرصة فريدة لتحقيق وثبة تكنولوجية

31 يناير, 2012 - 3:34 مساءً
العقوبات الإقتصادية الظالمة ضد سوريا يمكن أن تشكل فرصة فريدة لتحقيق وثبة تكنولوجية

دراسة خاصة اجراها الاستاذ نديم عبدو وستقوم الحدث نيوز بنشرها حصريا.

إعداد: نديم عبده (متخصص في  متابعة الشؤون الإقتصادية والتكنولوجية)

تحتل الأحداث الجارية في الجمهورية العربية السورية صدارة نشرات الأخبار في معظم وسائل الإعلام تقريباً في المرحلة الراهنة. ولن نتناول هنا الجوانب السياسية والأمنية لتلك الأحداث، مع كل المؤامرات الخفية أو الظاهرة فيها، وذلك بالنظر إلى كثرة التحليلات والدراسات حول هذا الشأن الهام، وإنما الجانب “التكنولوجي” المتمثل بفرض “عقوبات” على سوريا من جانب بعض الدول، مع تركيز تلك الدول على حظر حصول سوريا على التكنولوجيا الرفيعة من جراء هذه العقوبات.

1.0: أهمية التكنولوجيا في الموازين الإستراتيجية العالمية: لقد كانت التكنولوجيا منذ أقدم العصور من العناصر الأساسية التي ترجح الكفة قي تحديد مسار الأحداث التاريخية، حيث أن الأمم التي تمتلك التكنولوجيا والتي تحسن إستغلالها هي التي تحقق التفوق في جميع الميادين. وإذا عدنا إلى أولى العصور التاريخية، نجد أن أحد العوامل التي أتاحت إلى تفوق حضارات الهلال الخصيب كان إختراع العجلة wheel وإستغلالها في بلاد ما بين النهرين. وإذا ما إجتزنا القرون لنصل إلى الإحتلال الأوروبي للقارة الأميركية، فإن العامل الرئيسي الذي سهّل تحقيق الأوروبيين فتح القارة الأميركية هو أيضاً العامل التكنولوجي، حيث أن الشعوب الأوروبية كانت تمتلك قوة الأسلحة النارية، وأيضاً تعرف كيف تستعمل العجلة، ولم  تتمكن شعوب القارة  الأميركية من مقاومة الجيوش الأوروبية، وذلك على الرغم من  أن بعض تلك الشعوب كانت صاحبة حضارة راقية ومتقدمة للغاية، وإنما ليس من الناحية التكنولوجية. بالنسبة إلى العصر الحديث، وتحديداً في العالم العربي، فإن أحد أبرز أسباب تفوق اليهود في الحروب التي دارت رحاها على أرض فلسطين والبلدان المحادية لها حتى ثمانينات القرن العشرين يعود إلى أن “إسرائيل” حصلت على أفضل التكنولوجيات من أوروبا الشرقية أولاً – في حرب نكبة 1948، وعلى أفضل التكنولوجيا الغربية في ما بعد، وذلك على عكس ما حصل للجيوش العربية في معظم الحالات.

أما من الناحية الإقتصادية، فإن العامل التكنولوجي هو الذي يحقق التقدم والإزدهار للأمم، حتى في حال لم تكن أمة ما متقدمة من الناحية التكنولوجية زاخرة بالموارد الطبيعية، في حين يحصل في أحيان كثيرة أن بلداناً غنية بالموارد الطبيعية تعاني من الفقر والتخلف والتبعية بسبب عدم تمكنها من إكتساب التكنولوجيا المتقدمة.

من هنا فإن الجانب “التكنولوجي” يمكن أن يشكل الجانب الأكثر أهمية وترجيحاً للكفّة في الصراعات الدولية، عسكرية كانت تلك الصراعات أم إقتصادية.

2.0: تأثير العقوبات على سوريا:  إذا ما تناولنا الوضع بالنسبة إلى الإجراءات التي قررتها بعض الدول ضد الجمهورية العربية السورية، فإن هذه الإجراءات لن تؤثر كثيراً على الموقع العسكري العربي السوري، ذلك أن القيادة السورية عرفت كيف تستغل العامل التكنولوجي من الناحية العسكرية منذ سبعينات القرن العشرين على الأقل. والأمثلة على ذلك كثيرة، ويتمثل أولاها بحسن إستغلال الأسلحة السوفياتية المتقدمة في حرب تشرين/أكتوبر 1973، ما أدى وقتها إلى تحرير القسم الأكبر من هضبة الجولان، وإلى تعريض الكيان الصهيوني لخطر الإبادة، وذلك إلى الحد الذي حمل القيادة الصهيونية حينها إلى الإستنجاد بأميركا، وعلى الأثر أعلنت هذه الأخيرة حالة الطوارىء النووية لضمان إنقاذ “إسرائيل”…

أما في حرب إجتياح لبنان عام 1982، فلقد تمكنت القوات العربية السورية من الحؤول دون إجتياح القوات “الإسرائيلية” وادي البقاع عن طريق إبتكار وسيلة جديدة لإستعمال الأسلحة الصاروخية المضادة للدروع بتثبيت هذه الأسلحة على الطوافات – وتحديداً طوافات فرنسية الصنع حينها، ما جعلها تتصدى بنجاح لمحاولات تقدم الدبابات اليهودية. هذه المعلومات أوردتها مجلات فرنسية متخصصة صدرت بعد الحرب مباشرة، ولو أنه لم يتم تسليط الضوء كثيراً على الأمر من جانب وسائل الإعلام الغربية غير المتخصصة الموجهة لعموم الناس، وذلك لأغراض تتعلق بالدعايات المعادية للعرب بصورة عامة، ولسوريا بصورة خاصة…

وقد أكدت سوريا في العقود التالية على حسن إستغلالها وتحسينها للتكنولوجيا العسكرية، ويكفي للدلالة على الأمر العودة إلى شهادات قادة المقاومة ضد إسرائيل في كل من لبنان وفلسطين، حيث تجمع هذه التصريحات على الأهمية الإستراتيجية للدعم العربي السوري لإنجاح عمليات المقاومة. كذلك، فإن “إسرائيل” لم تتجرأ على شن أي هجوم حقيقي يستهدف الجمهورية العربية السورية نفسها منذ حرب تشرين:أكتوبر، رغم تأكيد جميع القادة اليهود بأن الجمهورية العربية السورية إياها تشكل العدو الرئيسي بالنسبة إلى “إسرائيل”.

هذا من الناحية العسكرية، أما من الناحية الإقتصادية، فإن سوريا حققت تقدماً كبيراً من الناحية التكنولوجية، وذلك بفضل السياسة التي تم إعتمادها والقاضية بتشجيع الإستثمارات التكنولوجية، مع تسهيل الإجراءات لإستقدام هذه التكنولوجيا إلى سوريا. وقد بدأت ملامح تلك السياسات ترتسم منذ أوائل تسعينات القرن العشرين، لتشهد إنطلاقتها الحقيقية مع بداية القرن الحادي والعشرين. والسؤال الآن هو: هل أن الإجراءات “العقابية” بحق سوريا ستؤثر على النهضة التكنولوجية التي كانت الجمهورية العربية السورية بدأت تعيشها؟

3.0: إقتصاد السلم يتم التحضير له خلال الأزمات: لا بد من الإقرار أولاً بأن النهضة التكنولوجية العربية السورية قد تحققت بالدرجة الأولى عن طريق إستقدام التكنولوجيات من الخارج، أي عن طريق إستغلال إجازات من شركات خارجية لتصنيعها محلياً. هذه السياسة طبيعية ومنطقية، إذ أنها تتيح “التدرّب” على إستعمال التكنولوجيا الخارجية، ولا بد منها كتوطئة ضرورية لتحقيق الإستقلالية التكنولوجية، وما من بلد في العالم إلا واجتاز تلك المرحلة، بما في ذلك البلدان المتقدمة إقتصادياً مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وغيرها، علماً بأن تلك البلدان ما تزال إلى يومنا الحاضر تعتمد هذا الأسلوب، بالـ”إتجاهين”، أي عن طريق “إستيراد” إجازات التكنولوجيا، وعن طريق “تصدير” تلك الإجازات. على أن من شأن العقوبات الإقتصادية أن تحدّ كثيراً من إمكانية إستيراد التكنولوجيات، أو الإجازات التكنولوجية من الخارج، ولا سيما في مجال التكنولوجيا الرفيعة، ولذا لا بد من تعزيز الإستقلالية التكنولوجية إلى أقصى حدّ ممكن، وبالتالي وضع الخطط والمشاريع الكفيلة بتحقيق هذه الإستقلالية، وذلك ليس من أجل مواجهة التطورات المتأزمة الحالية وحسب، وإنما وبالدرجة الأولى من أجل الإستعداد للمراحل القادمة، لكي تكون سوريا في موقع المنافسة والطليعة على الساحة الإقتصادية في المستقبل .

والواقع أن الكثيرين قد يرون أن الوقت غير مناسب الآن حيث أن المطلوب هو أولاً إتخاذ الخطوات الآيلة إلى معالجة الأوضاع المتأزمة. على أن التاريخ أثبت أن العكس هو الصحيح، وأن الأسس الثابتة لبناء الإقتصاديات والتكنولوجيات الناجحة قد تم وضعها في بعض الأحيان إبان أقصى الظروف. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك أن بريطانيا بدأت تضع الأسس والمشاريع لصناعة الطيران المدنية – وليس العسكرية – إبان الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي كانت تتعرض فيه لعمليات القصف الجوي – ولاحقاً الصاروخي – من جانب عدوّتها في تلك السنوات ألمانيا، وكان إحتمال إنتصار ألمانيا في تلك الحرب على بريطانيا ما يزال قوياً. وفي التفاصيل أنه تم تكليف لجنة خاصة برئاسة اللورد برابازون Lord Brabazon في سنة 1942 لوضع الخطط الآيلة إلى تطوير طائرات مدنية بريطانية متفوقة تلبي حاجات بريطانيا وبلدان الكومنويلث British commonwealth بعد الحرب، فكان أن وضعت اللجنة المذكورة توصياتها لتطوير عدد من تلك الطائرات. وقد تم تنفيذ جميع تلك التوصيات تقريباً غداة الحرب، ما أدى إلى صنع عدة طرازات، وهذه الطرازات لم تكن جميعها ناجحة، على انه كان من بينها طائرات تُعتبر من الأهم في تاريخ النقل الجوي مثل الطائرة النفاثة الأولى للركاب كوميت Comet ، أو طائرة فايكونت Viscount التي كانت إحدى أكثر طائرات النقل رواجاً في خمسينات القرن العشرين. وبقيت صناعة الطيران البريطانية تحتل موقعاً رائداً في صناعات الطيران العالمية حتى منتصف ستينات القرن العشرين تقريباً عندما بدأت تشهد تراجعاً وإنتكاسة بسبب رفض الحكومة العمالية دعم مشاريع لتطوير جيل جديد من الطائرات المدنية البريطانية. وقد واصلت الحكومات البريطانية اللاحقة، من عمالية أو محافظة، إتباع هذه السياسات، والنتيجة اليوم أنه لم يعد هناك أية طائرة بريطانية مدنية تقريباً، وإنما أن صناعة الطيران البريطانية تساهم في إنتاج طائرات متعددة الجنسيات مثل الإيرباص Airbus، وحسب. والمساهمة البريطانية في هذا الإنتاج مهمة ولا ريب، لكنها ليست مساهمة اساسية على غرار المساهمتين الفرنسية والألمانية… مع الإشارة أيضاً أنها لم يعد هناك صناعة بريطانية للسيارات الواسعة الإنتشار بملكية بريطانية… ولا يخفى على أحد تراجع الموقع البريطاني على الخريطة الإستراتيجية العالمية في يومنا الحاضر، وما من شك أن لهذا التراجع “الإستراتيجي” صلة مباشرة بتراجع الموقع التكنولوجي لهذا البلد التي لم تكن الشمس لتغيب عن إمبراطوريتها في يوم من الأيام…

 

4.0: التكنولوجيات والعلوم المناسبة لسوريا: من هنا تتبين أهمية العامل التكنولوجي، وأهمية وجوب الإستعداد لتحقيق التقدم التكنولوجي. هذا الأمر صحيح بالنسبة إلى جميع بلدان العالم إذا ما أرادت أن تحافظ على موقعها، أو أن تعزز هذا الموقع. والجمهورية العربية السورية هي من دون شك من عداد تلك البلدان، ولذا لا بد لها من الإستعداد للمستقبل. ونحن لا نشك أنه لدى القيادة العربية السورية عدة خطط ومشاريع بهذا الصدد، على أننا نرى أن نتقدم ببعض الإقتراحات حول مشاريع تتناسب مع قدرات وطاقات الجمهورية العربية السورية، منطلقين بذلك من خبرتنا في متابعة وتغطية التطورات التكنولوجية العالمية، فضلاً عن إمتلاكنا معلومات نأمل أن تساهم في إغناء الخطط والمشاريع التكنولوجية السورية للسنوات القادمة.

4.1: في قطاع الزراعة: الجمهورية العربية السورية بلد زراعي بالاساس، والإنتاج الزراعي هو مورد أساسي لها. والمعروف أن الزراعة تتأثر بالدرجة الأولى بالعوامل الطبيعية، وعليه يجب أن تضطلع التكنولوجيا بدور ما للتخفيف من وطأة العوامل الطبيعية التي تتسبب بالإقلال من الإنتاج. وبالنسبة إلى سوريا، فإن أول هذه العوامل هو الجفاف وإنحباس الأمطار في الكثير من السنوات، وتتوافر تكنولوجيا كفيلة بمعالجة هذه المشكلة، وهي تكنولوجيا إستدرار الأمطار من السحاب عن طريق جعل هذه السحاب تتحول أمطاراً بوسائل كيميائية. وهذه التكنولوجيا موجودة ويتم إختبارها في عدد من البلدان مثل الصين وغيرها وهي قابلة لأن تتطور، وتستطيع المصانع والمختبرات السورية العمل في هذا المجال بتكاليف معقولة.

4.2: في قطاع الطاقة: تمتلك سوريا إحتياطات نفطية وغازية، غير أن هذه الإحتياطات لا بد وأن تنضب يوماً ما، وهذا أمر طبيعي ومحتم. والبديل عن النفط يمكن أن يكون النفط الزراعي، أي تصنيع النفط من بعض أنواع النباتات، كما بدأ يحصل في عد من البلدان، وفي طليعتها البرازيل. هنا أيضاً، فإن إنتاج “النفط الأخضر”، كما يُسمّى أحياناً، وتطوير وسائل إنتاجه هو من ضمن الإمكانات المتوافرة في سوريا والتكاليف معقولة.

وفي مجال الطاقة أيضاً، فإن سوريا قادرة على تطوير تكنولوجيات الطاقات الشمسية والهوائية وتلك المتولدة من حركة الأمواج البحرية، مع العلم بأنه تم تحقيق خطوات متقدمة في هذه المجالات.

4.3: في قطاع الإلكترونيات: لا بد من متابعة الخطوات التي تحققت لتطوير الصناعات الإلكترونية في سوريا، وفي طليعتها الصناعات المعلوماتية، مع العلم بأن الموارد البشرية والمالية والتقنية متوافرة إلى حد بعيد في هذا المجال.

4.4: صناعة السيارات: تُعتبر صناعة السيارات من الصناعات الأساسية في ما يختص بالمستوى التكنولوجي، وذلك ليس بالنظر إلى كونها لمجرد إنتاج وسائل للنقل، وإنما لطابعها العام “الشامل” الذي يرتبط بالعديد من الصناعات، وبالتالي الذي يشكل الحافز لتنشيط العديد من الصناعات الأخرى. كما أن للسيارات أهميتها الإقتصادية الكبرى على صعيد التجارة الدولية، حيث أن تصدير السيارات يشكل مورداً اساسياً للعديد من البلدان. وتوجد في سوريا حالياً صناعة لتجميع السيارات، وذلك منذ عدة سنوات، على أن السيارات المجمّعة في سوريا تلبي جزءاً من حاجات السوق المحلية فقطـ وهي لم تحقق حتى الآن نتائج كبيرة على صعيد أسواق التصدير، فضلاً من أنها تتعرض لمنافسة قوية من جانب السيارات المستوردة.

على أن سوريا قادرة فعلاً إلى الإرتقاء إلى مستوى البلدان المنتجة للسيارات بكميات متوسطة، مع تحقيق نتائج جيدة على صعيد أسواق التصدير، حيث أن الموارد البشرية والبنية الأساسية متوافرة لذلك، كما نستطيع التأكيد بأن التكنولوجيا المتطورة متوافرة أيضاً. والمطلوب لوضع الأسس الراسخة لصناعة مزدهرة للسيارات في سوريا يكون أولاً بتحديد مواصفات السيارة المطلوبة: هذه السيارة يجب أن تكون من الفئة “المتوسطة الفخمة”، وليس من فئة السيارات الشعبية الصغيرة كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، وذلك أولاً لأن كلفة السيارات الشعبية الصغيرة لا تتناسب مع إمكانات الصناعة السورية بالوقت الحالي، حيث أن إنتاج سيارة صغيرة شعبية بتكلفة إقتصادية يتطلب إستثمارات ضخمة على صعيدي المصانع والآلات، وهذه الإستثمارات غير مجدية بالوقت الحاضر بالنظر إلى عدم وجود أسواق خارجية لهذه الفئة من السيارات بالقدر الكافي حالياً، فضلاً عن أن السيارات الصغيرة لا تتناسب كثيراً مع متطلبات الأسواق في المنطقة.

بالمقابل، فإن فئة السيارات “المتوسطة الفخمة” تتلاءم تماماً مع حاجات وأذواق السائقين السوريين والعرب بصورة عامة، كما أن مثل هذه السيارات تناسب الطبيعة المتنوعة للطرقات والمناطق في بلادنا. كذلك فإنها تتيح المجال أمام تطوير طرازات متخصصة تعتمد على تقنيتها، من شاحنات صغيرة إلى سيارات رباعية الدفع إلى سيارات رياضية وسواها. غير أن من الضروري أن تعتمد مثل هذه السيارات على تكنولوجيا من أرقى المستويات، وذلك بالنظر إلى أن المستهلكين باتوا معتادين على إقتناء سيارات فخمة مستوردة، جديدة كانت تلك السيارات أم مستعملة، وبالتالي فإنهم لن يرضوا بسيارات أدنى منها مستوىً. كما أن إعتماد تكنولوجيا رفيعة من أفضل المستويات يعزز القدرة التنافسية في الأسواق العالمية ويتيح تسعير السيارات على نحو يسمح بتحقيق هامش محترم للأرباح، على عكس ما هو الأمر عليه بالنسبة إلى السيارات الشعبية الصغيرة التي يجب أن تُباع بأسعار متدنية لا تتيح تحقيق أرباحاً معقولة. (إشارة هنا إلى أن شركة تاتا Tata الهندية إضطرت إلى رفع سعر سيارتها “نانو” Nano على نحو متواصل منذ أن بدأت إنتاجها وتسويقها على اساس أنها أرخص السيارات في العالم… )

يبقى أن الشركات العالمية المتخصصة في إنتاج السيارات المتوسطة الفخمة عانت في السنوات الأخيرة من عدة مشاكل لناحية وجود عيوب في التصنيع، وهو ما أثّر على سمعتها، وبالتالي ما يتيح المجال للمنافسة أمام سيارة جديدة كلياً من هذه الفئة، خصوصاً في حال كانت مثل هذه السيارة تعتمد على تكنولوجيا متطورة للغاية. ولدينا معلومات أكيدة بأنه يمكن الحصول على تكنولوجيا خاصة بمثل هذه السيارات تتناسب مع إمكانات وطاقات سوريا، وأن تكون مثل هذه السيارة جاهزة للإنتاج الصناعي المكتمل في غضون سنتين أو ثلاثة.

4.5: صناعة الطائرات: إنتاج الطائرات المدنية المكتملة المخصصة للنقل أو للسياحة في سوريا غير مجدٍ من الناحية الإقتصادية بالوقت الحاضر بالنظر إلى ضخامة الإستثمارات المطلوبة، وندرة أسواق التصدير، مع التذكير هنا بأن بلداً يملك ماضياً عريقاً في صناعة الطيران مثل بريطانيا لم يعد يصنع طائرات مكتملة (راجع الفقرة 3.0). غير أن سوريا تستطيع ولا ريب المساهمة في تصنيع بعض مكونات الطائرات، ما يكسبها خبرة جيدة، فضلاً عن المردود الإقتصادي الممتاز.

وهناك فئة من الطائرات يمكن أن تتلاءم مع قدرات وحاجات سوريا، وهي الطائرات البالغة الخفة microlight aircraft التي تستعمل محركات صغيرة شبيهة بمحركات السيارات، وتنقل عدداً قليلاً من الركاب أو الشحن، ولا تحتاج إلى مطارات مكتملة للإقلاع والهبوط. إن مثل هذه الطائرات يمكن أن تضطلع بمهام كثيرة تقوم بها الطوافات بالوقت الحاضر، وذلك بكلفة إقتصادية جداً، مثل مهمات الدورية والرشّ الزراعي ومراقبة حركات السير وغيرها. كما أن صيانة هذه الفئة من الطائرات إقتصادية وميسّرة للغاية بالمقارنة مع صيانة الطوافات مثلاً.

5.0: البنية الأساسية المتوافرة حالياً: وبعد هذا الكلام كله، ومن الناحية العملية، لا بد من الإشارة إلى وجود بنية مناسبة جداً للإستثمارات التكنولوجية في سوريا، وذلك على صعيد النصوص التشريعية والتنظيمية أولاً، وبصورة خاصة النصوص التي صدرت منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وثانياً من الناحية المالية مع وجود عدة إعفاءات وتسهيلات وحوافز ممنوحة أمام المستثمرين. كما لا بدّ من الإشارة إلى وجود مناطق حرّة للصناعة ذات بنية تحتية مناسبة، مع تأمين التسهيلات المطلوبة. بالمختصر، فإن العمل الأساسي قد تم إنجازه من هذه النواحي، وما قد يكون مطلوباً ليس بالأمر الكثير من الناحية “التشريعية”، وحتى من ناحية إعداد البنية التحتية الأساسية للمصانع والمختبرات. والمطلوب بالأساس الآن هو إعطاء الأولوية المطلقة لتحقيق نهضة تكنولوجية حقيقية، مع العلم بأن هناك أمثلة عديدة لبلدان لم تكن غنية جداً بالموارد الطبيعية واستطاعت مع ذلك تحقيق وثبة تكنولوجية ممتازة وضعتها بمصاف البلدان الأكثر تقدماً من الناحية الإقتصادية، ومن هذه البلدان فنلندا في أوروبا وسنغافورة في آسيا، وغيرها أيضاً.

خلاصة القول أن العقوبات المفروضة على سوريا قد تشكل فرصة جيدة لتطوير الإقتصاد العربي السوري وتحويل الجمهورية العربية السورية إلى موقع إستقطاب تكنولوجي حقيقي للعالم بأسره، وليس في العالم العربي وحده وحسب. فضلاً عن أن من شأن التصرف المناسب إزاء هذه العقوبات تحقيق قدر كبير من الإستقلالية الإقتصادية والتكنولوجية، وبالتالي تعزيز السيادة القومية. والأمل كبير بأن تتحقق الآمال في السنوات القليلة القادمة إن شاء الله سبحانه وتعالى.

31 يناير, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل