حضرنا الكرنفال ولكن أين رفيق؟

15 فبراير, 2012 - 3:13 مساءً
حضرنا الكرنفال ولكن أين رفيق؟

منقول عن جريدة “الاخبار” اللبنانية

لو انتظر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بضعة أيام قبل أن يهاجم سلاح المقاومة ويدافع عن حصرية السلاح لكان أجدى، حتى يعطي اللبنانيين، وخصوصاً أبناء الشمال، الفرصة لينسوا مخزن أسلحة أبي سمراء المملوك لبعض رموز تيار المستقبل، والذي انفجر بطريقة غامضة، واشتباكات باب التبانة وجبل محسن التي افتعلتها أجهزة تابعة مباشرة لسعد الحريري وتياره، كما إطلاق النار أول من أمس ليلاً في مناطق بيروت احتفالاً بظهوره الإعلامي. لكن سعد استعجل، كما استعجل بقية فريق الرابع عشر من آذار في الاحتفال بالثورة السورية، ومحاولة حصد المكاسب منها قبل انتصارها.
كانت تكفي رؤية فارس سعيد يتحدث عن الإخوة في الثورة السورية والمجلس الوطني السوري ليعلم القاصي والداني أي استثمار سيكون، وأي تضامن هو هذا، وأية مكاسب للسفارة الأميركية حصدت خلال احتفال البيال، وأية كلفة سيدفعها السوريون المنتفضون في حمص أو درعا أو حماه أو ريف دمشق، بعد استثمارات مشابهة من انتهازيين لبنانيين، يراهنون، تماماً كلاعبي البوكر المهرة، على تغييرات مقبلة ليحصدوا مكاسبهم، وهم يدركون مسبقاً أن الخسارة يمولها من غيرهم، وتحديداً من الدماء السورية.
الدماء هي ما صبغ احتفال قوى الرابع عشر من آذار في ذكرى اغتيال رفيق الحريري. هذه المرة كانت الدماء السورية هي الحاضرة، ولولا ضرورة تذكير «الإخوة في المجلس الوطني السوري» بما قدمه اللبنانيون، وبالتالي بالثمن المتوقع بعد سلخ جلد الدب السوري، لما تذكر أحد شهداء الاستقلال الثاني وثورة الأرز وضحايا مسبح السبورتينغ ولعب الورق على الشواطئ خلال حرب نهر البارد.
طبعاً، يتضامن سعد الحريري، الموجود في فرنسا لأسباب أمنية ــــ صحية ــــ سياسية (وربما أكثر)، بشدة مع الثوار في سوريا، رغم أنه يعيش حياة الرغد منذ نعومة أظفاره، ورغم وجود حارسين شخصيين جاهزين لحمله عن كرسيه ليُحيّي الجماهير المحتشدة في قاعة البيال، ورغم كل ما معه وما عليه وما يمضيه من أيام وليالٍ ملاح، إلا أنه حزين، ومتضامن مع الشعب السوري. ولا يشذّ أحد من قياديي 14 آذار المحتفلين بذكرى اغتيال الحريري عن هذه القاعدة؛ فجميعهم ثوار ميسورون، أنعم الله عليهم، ومن كان منهم فقيراً اغتنى بسرعة قياسية، بينما تدهورت أوضاع البلاد التي لا تزال تسير خلف مشروع رفيق الحريري للدولة وتدفع كل يوم فوائد هذا المشروع المتراكمة.
الشياطين وحدها يمكن أن تعلم من أين يأتي حزن سعد الحريري؛ فها هو يردد في كل ظهور إعلامي الكلام نفسه، ويصر على متابعة السير على الدرب نفسه، الدرب الذي أورثنا المهالك، والذي جعل من غازي كنعان حاكماً للبنان، ليس بقوة السلاح، بل بقوة الاتفاق السعودي ــــ السوري، الذي كان والد سعد الحريري عرّابه، ومديره ومسيّره وبانيه وراشيه. هي القيم نفسها التي يتحدث عنها سعد، وهي السيادة التي ينادي بها، وهي طروحات رفيق الحريري التي يدعو إليها اليوم؛ فعلام الحزن وهو يتابع النهج نفسه، وإن كان قد غيّر المايسترو من سوريا إلى دول أخرى؟
من الحزن ينتقل سعد بسرعة إلى حالة أخرى؛ فها هو يطالب جمهوره ــــ المتشكّل من المسحورين بكاريزما سمير جعجع ــــ بفهم عمق التغييرات التي ستصيب المنطقة نتيجة الثورات العربية، ثم يربط ما بين المحكمة الدولية والتغيير في النظام السوري، قبل أن يخاطب الطوائف اللبنانية الخائفة من التغيير في المنطقة، من المسيحيين الذين يستشعرون مخاطر ما حصل في مصر، وما سيتكرر كما يبدو في كل مكان تصيبه نظريات عباقرة ثورة الأرز، الى الشيعة اللبنانيين، الذين يعرض عليهم الاستسلام لمشروعه من دون قيد أو شرط.
مشروعه للدولة هو مشروع رفيق الحريري نفسه، وكأن الزمن لم يمر على هذه البلاد، وكأن رفيق الحريري الذي ورثه هو وراثة (مع الحفاظ على القيم الديموقراطية ومعاداة الحكم الديكتاتوري والتوريث) سبق أن أنهض البلد من أزمة واحدة، أو قام بغير نهب البلاد وإفسادها، وحكمها بالجزمة السورية.
كان يمكن غض الطرف عن كل ما قاله سعد، فما فيه مكرر حتى الملل، لكنه هذه المرة تبنى أطروحات سبق أن سقطت عن مسؤولية المقاومة الفلسطينية في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية. فإن كان من يطالب بفهم عمق التغييرات في المنطقة يتحلى بسطحية تقول إن الحرب الأهلية اللبنانية سببها وجود المقاومة الفلسطينية في الجنوب، فإنه سيملك من السطحية ما يجعله يعتبر أن المقاومة في لبنان يمكنها أن تسبب حرباً أهلية أخرى، لا شخصيات مارقة مثله ومثل أولئك المتحدثين في احتفال مقتل والده.
حضرنا كرنفالاً ممتعاً للمقامرين اللبنانيين، لكن… أين غاب رفيق الحريري هذه المرة؟

15 فبراير, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل