بعد معاناة لثلاثون عاماً، ولادة مشروع قانون “المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان”

25 فبراير, 2012 - 2:57 مساءً
بعد معاناة لثلاثون عاماً، ولادة مشروع قانون “المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان”

من رحم المعاناة، وُلد اقتراح مشروع قانون الأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً. معاناة عمرها ثلاثون عاماً عاشتها عوائل 17415 مفقوداً، لكن ظلمة مئات الليالي السابقة ستنجلي إذا تسنى للاقتراح أن يُصبح قانوناً

«ولادة أتت بعد فترة حمل ثقيلة، موجعة، مزعجة، معقدة دامت 360 شهراً. سنين طويلة ونحن نلهث بحثاً عن أحبة سُرقوا منّا. خُطفوا. قُتلوا…»، بهذه الكلمات التي اختنقت عند بعض الثنايا أطلقت رئيسة «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» وداد حلواني العنان لصرختها. قالت: «أبصر اقتراح مشروع قانون الأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً النور»، قبل أن تضيف «نُهنّئ أنفسنا».

مسحة التفاؤل التي ميّزت كلمة حلواني انعكست على الجو العام لطاولة النقاش التي يستضيفها «المركز الدولي للعدالة الانتقالية» على مدى يومين (الجمعة والسبت)، تحت عنوان «حق المعرفة – اقتراح مشروع قانون المفقودين والمخفيين قسراً»، في إطار ما سُمي «حق المفقودين وعائلاتهم في المعرفة».

رأس جلسة الافتتاح مدير المركز الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا للعدالة الانتقالية حبيب نصار مشيراً إلى «أن اقتراح مشروع قانون المفقودين والمخفيين لم يكن ليرى النور لولا دعم الاتحاد الأوروبي والسفارة السويسرية في لبنان». وأعلن أن عدداً من هيئات المجتمع المدني والقضاة شاركوا في إعداد الاقتراح، إضافة الى خبراء محليين ودوليين وفي مقدمهم المحامي نزار صاغية الذي عمل على صياغة الاقتراح وبلورته. ثم تحدث ممثل وزير العدل مسعود نهرا، فأشار إلى أن مجلس الوزراء التزم في بيانه الوزاري التزاماً حاسماً حل قضية ضحايا الاختفاء القسري نهائياً عبر إنشاء هيئة وطنية. وأضاف: «تعمل وزارة العدل حالياً على صياغة مشروع مرسوم يتضمن إنشاء مثل هذه الهيئة بصلاحيات واسعة ومشاركة فعالة من جميع المعنيين بالقضية».

بدوره، شرح المستشار القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر خالد غازي عمل اللجنة في بعض الدول والنتائج التي توصلت إليها بالنسبة إلى الأشخاص المفقودين والمخفيين قسراً وعرض للقانون الدولي الذي يلزم الدول التعاطي مع الموضوع بصورة جدية والذي يوفر الحماية والمساعدة لمعرفة مصير المفقودين.

أما الجلسة الثانية من النقاش فقد أدارها مقرر لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب غسان مخيبر وحملت عنوان «لبنان وحق المعرفة». قدم مخيبر مجموعة من الملاحظات المبدئية التي ترتبط بخيارات تشريعية وكيفية مقاربة أزمة الاختفاء القسري، لافتاً إلى أن «مسودة الاقتراح التي بين أيدينا عن المفقودين والمخفيين قسراً التي وضعتها وزارة العدل تقتصر على توفير الحق بالمعرفة، وهو أمر هام جداً، دون الحقوق الأساسية الأخرى والضرورية لمعالجة نهائية وكاملة للقضية». وأشار مخيبر إلى أن «ما نقدم عليه يتعلق فقط بالخطوة الأولى، أي العدالة في أقسامها الثلاثة الأساسية: تحديد المسؤوليات، انزال العقوبات والتعويض».

من جهتها، قدمت مستشارة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «المركز الدولي للعدالة الانتقالية» لين معلوف، مقاربة عامة لقضية المفقودين والمختفين، عارضة للمسار التاريخي لتعامل الدولة اللبنانية مع هذه القضية. وانطلقت معلوف من الواقع الذي يعيشه ذوو المفقودين فأطلقت عليه تسمية «الحسرة المجمدة التي تراوح بين التأقلم مع وفاته والتأقلم مع اختفائه»، مذكرة بمعاناة الأهالي الذين لا يمكنهم المضي قدماً حتى ولو أرادوا ذلك.

حلقة النقاش حول الطاولة المستديرة التي بدأت قرابة العاشرة صباحاً، قابلها بيان أصدره الأمين العام للمركز اللبناني لحقوق الانسان وديع الأسمر ورأى فيه أن مشروع القانون المقترح لا يفي ضحايا الإخفاء القسري في لبنان حقهم، لافتاً إلى «أن المشروع بصيغته الغامضة محاولة جديدة لدفن ملف المعتقلين في السجون السورية». ولفت الأسمر إلى أن «القانون المقترح لا يشير من قريب أو من بعيد إلى ضحايا الإخفاء القسري في إسرائيل وفي سوريا»، مؤكداً أن «المشروع نجح حيث فشلت أجهزة القمع اللبنانية والسورية، وقدم هدايا مجانية إلى كل من يريد إسقاط هذه الجرائم في خانة المجهول». وفي الإشارة إلى ما تضمنه بيان الأسمر، تطرقت الحلواني في ختام كلمتها إلى القول إنّ السلطات الرسمية اعترفت بالقضية بعد 18 عاماً من المطالبة والصراخ. وسألت: «هل يجوز أن نتلهى ونختلف حول ماذا نسمي أحبتنا؟ لماذا نضيع وقتنا في النقاش وننسى أنه إذا كان هناك من أحياء في عداد المفقودين فلنسرع لتحريرهم قبل موت المزيد من الأهالي».

هكذا، وعلى مدى سبع ساعات، تحلّق نواب ونشطاء وخبراء ومحاضرون دوليون في شؤون المفقودين والطب الشرعي والمقابر الجماعية حول الطاولة المستديرة للمركز الدولي للعدالة الانتقالية. النقاش لم ينته بعد، سيستمر لساعات مماثلة اليوم، لكن الآمال المعقودة ستبقى معلّقة حتى يتحرك السياسيون أو يرضخوا لمطالب أهالي جفّت دموعهم في مآقيها وهم يصرخون بأسماء أبنائهم المفقودين، بحسب أهاليهم، حتى حين.

وفي حين شدّد المجتمعون على أن قضية المفقودين والمخفيين قسرا لم تبدا بهذا القانون ولن تنتهي به، أشارت المداخلات الى أن العدالة تتطلّب الى معرفة مصير المفقودين والمخفيين، التحقيق والمعاقبة والتعويض والمصالحة. وكانت رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان السفيرة انجيلينا ايخهورست، افتتحت النقاش، فيما تغيّب وزير العدل شكيب قرطباوي لأسباب خاصة، وحضر عنه مسعود نهرا، كذلك شارك في اللقاء مقرّر لجنة حقوق الانسان النيابية النائب غسان مخيبر، ومدير برنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا لدى المركز الدولي للعدالة الانتقالية حبيب نصّار، والسفير الإسباني خوان كارلوس، وأهالي عدد من الضحايا من إسبانيا والبوسنة والهرسك ولبنان الذين تشاركوا إستذكار المعاناة وبدى التأثّر واضحا لديهم رغم مرور الوقت على معاناتهم.

وصفت أيخهورست في كلمتها، مشروع القانون بـ”الخطوة الأولى في الإتجاه الصحيح”، وذكّرت بدعوة الاتحاد الأوروبي لبنان الى “الوفاء بالتزاماته السياسية لمعالجة مسألة المخفيين”، وأشارت الى أن “الاختفاء القسري يعتبر جريمة ولا تبرّره أي ظروف استثنائية”. وأضافت “اجتمع ممثلون عن لبنان والإتحاد الأوروبي قبل أقل من أسبوعين في بروكسل لمناقشة مسائل مرتبطة بحقوق الإنسان والعدالة. وقد دعونا لبنان إلى المصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري ودراسة الانضمام الكامل إلى ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية. كما طلب الاتحاد من لبنان الوفاء بالتزاماته في معالجة مسألة المخفيين، بما في ذلك اعتماد التشريع الذي يقرّ بالحقوق المعترف بها دولياً لعائلات المفقودين والمخفيين”.

من جهته ذكّر نهرا بأن “مجلس الوزراء اتخذ في بيانه الوزاري التزاماً حاسماً بحل قضية ضحايا الإختفاء القسري نهائيا عبر انشاء هيئة وطنية”. وقال: “الوزارة تعمل حالياً على صوغ مشروع مرسوم يتضمن انشاء مثل هذه الهيئة بصلاحيات واسعة ومشاركة فاعلة من جميع المعنيين”. واضاف: “عملا بالدستور والمعاهدات الدولية التي اقرّها لبنان وعلى رأسها معاهدة مناهضة التعذيب، وعملا بإرادة لبنان في تجاوز ماضيه بجميع ابنائه، وتمتين السلم الأهلي على أساس قيم حقوق الانسان والمساواة، فقد بدا من الملائم وضع قانون لمعالجة قضايا المفقودين ووضع حد لمعاناة ذويهم”.

وفيما ترأس مخيبر إحدى الجلسات، لاحظ أن مسودة اقتراح القانون “تقتصر على توفير الحق في المعرفة، من دون الحقوق الأخرى الضرورية لمعالجة نهائية وكاملة لقضية الإختفاء القسري لجهة تحقيق اهداف العدالة والمصالحة”. وشدّد على ضرورة “ضمان عدم تكرار هذه الجرائم”. وقال أن “ثمة كمّاً كبيراً من المعلومات المتعلقة بالمفقودين والمخفيين قسراً، ويجب الإفصاح عنها لأنها قد تشكّل الخطوة الأولى في انجاز التحقيق الجدي”. ورأى أن “ثمة حاجة لحماية المعلومات والأفراد الذين يكشفون عنها”. واعتبر “مسالة نبش المقابر ليست تقنية فقط، اذ أن القرار يفترض ان يكون مؤسساً على إرادة سياسية واضحة، في ما يتعلّق بأي مقبرة جماعية تفتح اوكيف تفتح”. وخلص الى أن المطلوب “ارادة سياسية ليس فقط في شأن حل المشكلة، وإنما في شأن ادارة المشكلة”.

بدوره شدّد رئيس فريق عمل الأمم المتحدة المعني بالاختفاء القسري جيرمي ساركين، الذي شارك بصفته الشخصية، على ضرورة “أن تكون معالجة المشكلة شاملة، بحيث تشمل حق المعرفة والتعويض”. وقال: “على الدولة القيام بكل ما في وسعها لمعرفة ما حدث”. ولاحظ أن “ثمة اشكالية تتمثّل في الخيار بين الحقيقة والمصالحة، اذ أن ثمة من حاول دفن الحقيقة والمضي قدماً”. وختم: “لا يمكن نسخ قانون من بلد آخر ولكن يمكن التعلّم من التجارب الدولية”.

كذلك، شدّد المستشار القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر خالد غازي على حق عائلات المفقودين والمخفيين في معرفة مصيرهم. ونوّه بعدم تمييز المشروع بين المفقودين والمخفيين نسبة الى سبب الإختفاء، وشدد على “ضرورة ايجاد التوازن بين حق العائلات في المعرفة والمصلحة في الملاحقة الجنائية”، مشيراً الى “مبدأ العفو مقابل الحقيقة الذي ورد في بعض القوانين في العالم”، وأكد “ان تجريم الاخفاء القسري هو من الوسائل الوقائية لمنعه”، مذكرا برأي محكمة يوغوسلافيا “أن إنكار الحق هو معادل للتعذيب الجسدي”.

وكان نصار ادار إحدى الجلسات لافتا الى أن مشروع القانون “شامل ولا يميز بين ضحية وأُخرى بحسب الجهة الخاطفة بل يطبّق على جميع ضحايا الاختفاء القسري والذين فقدوا خلال الحرب نتيجة أعمال حربية وجرائم معينة”. واشار الى ان “هذه المسيرة بدأت في حزيران 2010 عندما نظّم المركز الدولي للعدالة الانتقالية بالتعاون مع مؤسسة “فريدريتش ايبيرت” رحلة ميدانية لوفد مؤلّف من 15 فاعلية رسمية ونشطاء حقوق الانسان الى البوسنة والهرسك، وقامت السلطات المحلية والمجتمع المدني، بدعم اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين، ببلورة سياسات تعالج قضية المفقودين”.

من جهته شدد رئيس (سوليد) غازي عاد على أن اقتراح مشروع قانون المفقودين والمخفيين قسراً “يشمل جميع المخفيين قسراً، وعددهم 17 الف بمن فيهم المعتقلون في السجون السورية”. وأوضح أن “تسمية المخفيين إعتمدت لأن المشروع موحد بيننا وبين جهات أُخرى”. ورأى “أن عدد المفقودين والمخفيين هو رقم أطلقته السلطات اللبنانية في السابق من دون أن نعرف الى ماذا استندت”.

وعرضت لين معلوف من جمعية “معاً من أجل المفقودين”، لما تحقق في مجال حق المعرفة وقضيّة المفقودين والمخفيين قسرًا، وقالت “مشروع القانون يهدف إلى إيجاد الإطار القانوني الضروري لإجراء عمليّة تحديد مواقع رفات المخفيين قسرًا وحمايتها ونبشها والتعرّف عليها، والتحقيق بكلّ من الحالات على حدة، بالتنسيق الوثيق مع أهالي المخفيين والمفقودين”.

من جهتها اعتبرت رئيسة “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني أن الأهم هو “الوصول الى الحق” بغض النظر عن “الاسم والشكل”، معتبرة أن القانون المقترح يشكّل “قوّة مانعة للتلاعب أو التهرّب أو التخويف”. وفيما أشارت الى معاناة أهالي المفقودين والمخفيين أكّدت “حقّنا في معرفة مصائر أحبّائنا، والخروج من حالة الانتظار المدمّرة، واللايقين القاتل، ومن وضعيّة الضحيّة التي زججنا فيها”. واضافت: “نحن نريد إبطال إستعمال القضيّة مادة للمتاجرة السياسيّة، وايقاف التوظيف السياسي للمقابر الجماعية، وترميم ما أمكن وأن نَعبُر الى السلم”.

25 فبراير, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل