استنزاف الحريري…

28 نوفمبر, 2016 - 8:23 صباحًا المصدر: الحياة
استنزاف الحريري…

فاجأ زعيم «تيار المستقبل» الرئيس المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة سعد الحريري، المدعوين إلى حضور افتتاح المؤتمر الثاني لـ «المستقبل» بعدم الخوض في المخاض العسير لولادة حكومته، ما اعتبرته أوساط سياسية مراقبة قراراً بالنأي بنفسه عن الدخول في الاشتباك السياسي الذي يؤخر تشكيلها، لئلا يكون طرفاً في السجال الدائر حالياً بين الأطراف المعنيين بتأليفها، ويرمى عليه بالتالي جزء من المسؤولية بغية تخفيف الأعباء الملقاة على الجهات التي تتبادل الشروط في محاولة لتحسين موقعها في حكومة العهد الأولى.

ومن استمع إلى الخطاب الافتتاحي للحريري أدرك أن مسار تأليف الحكومة يواجه أكثر من عقدة، وهذا ما يبرر تغييبه كلياً مقاربة عملية التأليف، التي يبدو أنها ليست سهلة، على الأقل في المدى المنظور، وباتت في حاجة إلى مبادرة الأطراف إلى تقديم تسهيلات، أو بالأحرى «تنازلات» متبادلة لتسهيل ولادتها، على رغم أن البعض يحاول التخفيف من وطأة التأخير بذريعة أنها لم تتجاوز التوقيت الطبيعي لتشكيل الحكومات.

وفي هذا السياق، يبدي الحريري تذمراً، لم يظهر حتى الساعة إلى العلن، حيال تأخير ولادة الحكومة، لكنه يمارس في الوقت ذاته سياسة الصبر ويداوي العراقيل بطول البال مع أن الانتظار يمكن أن يفتح الباب أمام ظهور المزيد من العراقيل التي تدفع البعض إلى رفع منسوب شهيتهم للتوزير.

وتعتبر مصادر مواكبة لأسباب إعاقة الجهود الرامية إلى تذليل العقبات التي ما زالت تعترض تأليف الحكومة، أن العائق الأول يتمثل في إصرار جميع الكتل النيابية، بصرف النظر عن أحجامها، على أن تكون موجودة في هذه الحكومة التي يتعذر عليها أن تتسع لجميع الأطراف.

وتسأل المصادر نفسها عن مدى قدرة رئيس الجمهورية ميشال عون على ترجمة ما تعهد به أمام زواره في الأسبوع الماضي بأن الحكومة الجديدة سترى النور قبل نهاية هذا الأسبوع كحد أقصى، وما إذا كانت لديه معطيات سياسية غير مرئية تؤكد ما يقوله، على رغم أن الرئيس المكلف لم يسجل على نفسه أي موقف يلتقي فيه مع عون.

وتضيف أن صمت الحريري لا يعني أبداً أنه غير منزعج من تأخير تشكيل حكومته، وقد يكون لصمته حدود تضطره بعد انتهاء فترة السماح التي يتطلبها المزيد من المشاورات إلى مصارحة اللبنانيين بكل شاردة وواردة تتعلق بالأسباب التي تؤخر ولادتها.

استنزاف الحريري
وتؤكد المصادر أن الحريري لن يبقى شاهداً على استنزافه بشروط من هنا ومن هناك، وتسأل أيضاً عن الجدوى من التأخير، وهل لها علاقة مباشرة بتوجس «حزب الله» من أمور عدة، أبرزها الهجمة العربية في اتجاه رئيس الجمهورية، والتعامل معها وكأنها عامل قوة يضغط للإسراع في تشكيل الحكومة.

ناهيك بأن «حزب الله» -وفق المصادر هذه- لا يرتاح إلى الثنائية القائمة بين «التيار الوطني الحر» وبين حزب «القوات اللبنانية» بزعامة سمير جعجع، في ضوء ما تبين له من أن هناك تفاهماً مكتوباً بينهما يتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية وأيضاً بالمساواة في عدد الوزراء، إضافة إلى أنه يتحسب منذ الآن لإمكان تحول في سياسة رئيس الجمهورية، لأن عون اليوم هو غيره قبل انتخابه رئيساً للجمهورية.

كما أن «حزب الله»، وإن كان يخفي اعتراضه على هذه الثنائية بالكتمان، لأنه لا يريد أن يخدش تفاهمه مع «التيار الوطني الحر»، فإنه في المقابل يبدي ارتياحه للهجوم الذي يستهدف «القوات» بذريعة أنه سيمثل في الحكومة بحجم سياسي يتيح له المناصفة في توزيع الحقائب مع حليفه رئيس «التيار الوطني» الوزير جبران باسيل، وأيضاً يسعى إلى التقليل من الحضور المسيحي المستقل في الحكومة إذا لم يتمكن من إلغائه كلياً.

وهناك من يحمّل «حزب الله» مسؤولية مباشرة حيال الثقل الوزاري لـ «القوات» في الحكومة، ويعزو السبب إلى أن مقاطعته الجلسات النيابية التي كانت مخصصة لانتخاب الرئيس حالت دون إنهاء الشغور الرئاسي في حينه بانتخاب زعيم «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية.

فلو أتيح انتخاب فرنجية رئيساً بتراجع «حزب الله» عن مقاطعة جلسات الانتخاب وتأمين النصاب لانتخابه بدلاً من إصراره على مراعاة حليفه الآخر العماد عون، لكان حجم «القوات» في الحكومة أقل من الحجم المعطى له في الحكومة التي لم تولد حتى الساعة، وبالتالي كان في غنى عن توجسه من تحالف حليفه «التيار الوطني» مع «القوات».

لذلك، فإن تأخير تشكيل الحكومة لا يكمن في تبادل «الفيتوات» بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري و «القوات» فحسب، وإنما أيضاً في اعتراض «حزب الله» على الحصة الوزارية المقترحة لـ «القوات» في الحكومة العتيدة، وبالتالي مطالبته بأن تتشكل من 30 وزيراً بدلاً من 24 وزيراً، لأن زيادة العدد تتيح له حجز مقاعد وزارية لحلفائه من الطوائف الأخرى، وهذا ما لا يحبذه الحريري، اعتقاداً منه أن مثل هذه الزيادة يمكن أن تستخدم في محاصرته، لأن العدد الفائض سيذهب لمصلحة الجهات الأقرب إلى «حزب الله» منه.

المصدر: الحياة
28 نوفمبر, 2016

إعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل