الأبعاد الجيو – سياسية للأزمة السورية

4 نوفمبر, 2011 - 7:34 مساءً
الأبعاد الجيو – سياسية للأزمة السورية



نادر عزالدين

كثيرة هي النظريات والحقائق التي طرحت حول الأبعاد الحقيقية للأزمة السورية المستمرة منذ ما يقارب الثمانية أشهر، وعلى الرغم من أن الكثير مما قيل لامس بشكل أو بآخر جوانباً من الحقيقة، إلا أنه بقي ناقصاً بسبب تعدد أوجه الصراع القائم في سوريا والمنطقة بأكملها من جهة، وتشعب الملفات وتداخلها من جهة أخرى. ومن ضمن الأوجه التي نتحدث عنها “الأبعاد الجيو – سياسية للأزمة السورية”، هذه الأبعاد التي كان يجب الإضاءة عليها منذ بداية الأزمة بشكل جدي نظراً لأهميتها، نكشف عن بعضها في لقاء لموقع المنار الإلكتروني مع الأستاذ في العلاقات الدولية الدكتور جمال واكيم الذي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان “صراع القوى الكبرى على سوريا  ” تضمن شرحاً تفصيلياً لحقيقة ما يجري اليوم في منطقتنا بشكل عام وفي سوريا بشكل خاص.

بداية يؤكد د. واكيم أن ما دعي بالربيع العربي هو في جزء منه محاولة ربيع وفي جزء آخر محاولة تجديد أدوات الهيمنة الأميركية على المنطقة لتحقيق عدة أهداف إستراتيجية. فعندما انتهت الحرب الباردة في مطلع التسعينات من العام الماضي، وضعت توجيهات لإعادة رسم العلاقات الدولية انطلاقاً من منطقة الشرق الأوسط، لأن أهمية هذه المنطقة تكمن بأنها تحدد نمط علاقات القوى القائمة على المستوى الدولي. فمنذ فجر التاريخ كانت تتقاطع طرق المواصلات التجارية في هذا المنطقة. مع الإشارة إلى أن في هذا الشرق الأدنى ثلاث قوى فاعلة هي مصر، تركيا، والعراق التي تتكامل مع إيران كنطاق جيو – استراتيجي واحد، يتوسطهم “بر الشام” أو سوريا التي تصل بين هذه القوى الثلاثة.

عندما بدأت مؤخراً بوادر “الربيع العربي”، دخلت الولايات المتحدة على الخط لإعادة تنظيم مخططها في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط الممتدة من حدود الصين شرقاً إلى شواطئ الأطلسي غرباً بغية تحقيق عدة أهداف، أولها إحكام الهيمنة على أوروبا عبر عزلها بالدرجة الأولى عن افريقيا وأي دور مستقل فيها، بالإضافة إلى عزلها عن أي دور مستقل للتقارب مع روسيا، ثانياً والأهم هو منع ائتلاف القوى البرية المتمثلة بالصين وروسيا من الوصول إلى شرق المتوسط من ناحية ومن الوصول إلى المحيط الهندي من ناحية أخرى وبالتالي السيطرة على هذه المنطقة تهدف إلى تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي. وإن التفتنا إلى ما جرى في العقد الماضي بعد اجتياح العراق، من تصاعد للمقاومة العراقية من ناحية ونجاح المقاومة في لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي ونجاح حركة حماس في كسر الحصار المفروض عليها في قطاع غزة، نستنتج أن كل هذه العوامل أدت إلى تزخيم المقاومة وإضعاف المشروع الأميركي في المنطقة، فكان يجب إعطاؤه زخماً جديداً عبر إعادة خلق محور يسمى بمحور الاعتدال مكوّن من عاصمتين عربيتين هما الرياض والقاهرة لمواجهة ما يسمى بالتمدد الإيراني، باعتبار أن إيران كانت داعمة لسوريا والمقاومة في لبنان وفلسطين.

وفي تعليقه على الموضوع يشدد الدكتور واكيم على أن محور الاعتدال العربي فشل في المواجهة المطلوبة منه، فكان لزاماً إدخال قوة جديدة على الخط لتدعيم هذا المحور، والمتمثلة بحزب العدالة والتنمية في تركيا. وعندما نقرأ أحمد داود أوغلو في كتابه “العمق الإستراتيجي”، نجده يقول بكل صراحة، إن تركيا يجب أن تلعب دوراً بما لا يتناقض مع الدور الأميركي والدور الغربي في المنطقة،كما يجب أن تتوافق تركيا مع الولايات المتحدة استراتيجياً في البلقان والقوقاز والمشرق العربي، لكن الدور التركي كان يجب أن يمر عبر “بر الشام”، أي سوريا. وقد تكامل هذا أيضاً مع مفهوم أوروبي للأمن يعتمد على عزل آسيا عن شواطئ المتوسط، وآسيا هنا هي الإسلام بشقيه السني والشيعي، وهكذا تضافرت الجهود الثلاث لمحاولة قلب نظام الرئيس بشار الأسد بما يؤمّن قيام حرب أهلية تؤدي إلى تقسيم سوريا إلى ثلاث نطاقات في الحد الأدنى:
– نطاق ساحلي يعزل السنة والشيعة عن الوصول للبحر المتوسط
– نطاق سني في الشمال يكون تابعاً لتركيا بما يؤمّن لها العمق الإستراتيجي الذي تحدث عنه أحمد داود أوغلو
– منطقة شرقية جنوبية تقع تحت النفوذ السعودي بطريقة غير مباشرة

أما بالنسبة لفرص نجاح المشروع الأميركي في فرض هيمنة مطلقة على إقليم الشام، يعتقد الدكتور جمال واكيم أنها بعيدة الاحتمال، لا بل شبه مستحيلة وذلك لأسباب عديدة. ففي الدرجة الأولى، من لا يستطيع المساومة على هذا الموضوع هما روسيا والصين، أما إيران تأتي في الدرجة الثانية. صحيح أن الجمهورية الإسلامية ليس من مصلحتها أبداً سقوط نظام الأسد، إلا أنها تستطيع التكيف مع خسارة سوريا في حال حدث ذلك عبر عزل نفسها في إقليمها. وإن عدنا تاريخياً إلى أيام الساسانيين   وقبلهم البارثيين  ، نرى أن كلاهما حاول الاندفاع نحو شرق المتوسط وفشلا في ذلك أكثر من مرّة بوجه اليونانيين والرومان، وكذلك فعل الصفويون إلا أن الدولة العثمانية كانت تصدهم دائماً. وبالإجمال فإن إيران لديها نزعة للإنطواء على الذات، فعندما تتأزم الأوضاع تنفجر إيران إلى الداخل وليس إلى الخارج. إذاً خلافاً لما يشاع فإن إيران تتأثر بدرجة أقل من روسيا والصين في حال سقوط النظام السوري.

أما بالنسبة لروسيا والصين فهما لا تحتملان خسارة هذا الإقليم أبداً. فتاريخياً أبضاً، كانت روسيا تشعر بأنها تمتلك عمقاً في البر الآسيوي يحمي ظهرها عند أي صراع مع البر الأوروبي، وتعتبر روسيا هذا العمق الآسيوي حديقة خلفية تؤمن لها القسم الأكبر من الحماية. ويمكننا أن نلاحظ أنّ خسارة روسيا للحرب الباردة لم يأت نتيجة إغلاق أوروبا في وجهها ولا إغلاق جنوب شرق آسيا، إنما نتيجة تراجع دورها في الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق قال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عام 1969 إنه على ضفاف نهر السويس يقرر مصير العالم، وكان محقاً في قوله. وفي الحرب العالمية الثانية عندما اندفع هتلر إلى العمق البري الأوروبي الآسيوي اكتشف أنه لو سيطر حتى على موسكو لن يستفيد بشيء فحوّل هجومه من قلب روسيا إلى الأطراف أي إلى أقرب نقطة تلتقي فيها روسيا مع الشرق الأوسط مثل ستالينغراد ومناطق القوقاز لمحاولة الإلتفاف على العمق الروسي والضرب في الحديقة الخلفية. وأميركا أيضاً لم تستطيع تحقيق هذا النصر إلا بعد خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي والحصار الذي فرض على سوريا في الثمانينات. وهنا نستنتج أن خسارة سوريا، آخر موطئ قدم لموسكو في الشرق الأوسط، سيدفع تركيا بأن تلعب الدور الأميركي المطلوب منها بالضرب عميقاً في منطقة القوقاز وجمهوريات وسط آسيا.

أما بالنسبة للصين فهي كذلك لا تستطيع خسارة سوريا، حيث أنه لا يمكن لأي قوّة عظمى أن تضع طرق مواصلاتها التجارية العالمية تحت هيمنة قوّة أخرى. يشرح الدكتور واكيم عن الارتباط الصيني بروسيا، مشيراً إلى أن خروج الصين عبر البحار محكوم بائتلاف قوّة بحرية مكونة من مجموعة من الجزر التابعة للولايات المتحدة، من اليابان إلى تايوان إلى الفيليبين إلى ماليزيا إلى أندونيسيا، فكل هؤلاء هم ائتلاف قوى مرتبط بأميركا، وبالتالي خروج الصين إلى المحيط الهادئ بات صعباً. والصين محكومة جنوباً أيضاً بائتلاف قوى تابعة للولايات المتحدة من بورما إلى تايلند إلى فييتنام التي أصبحت مرتبطة بالرأسمال الأميركي بالإضافة إلى الهند. وبالتالي فقد بات خروج الصين إلى العالم محصوراً بالشرق الأوسط، وإذا سقطت سوريا هذا يعني أن الشرق الأوسط أغلق بوجه الصين، مع الإشارة إلى أن بنية الصين الصناعية تحتم عليها الوصول إلى الموارد الأولية في العالم من ناحية وهي بحاجة إلى الوصول لطرق التجارة العالمية بسبب بنيتها الصناعية من ناحية أخرى. ولا يمكننا أن ننسى أبداً إثارة واشنطن للمشاكل داخل الصين بين “الهان” و”الايغوز” عندما كادت في فترة من الفترات أن تسيطر أميركا على المنطقة الممتدة من حدود الصين شرقاً إلى ضفاف المحيط الأطلسي غرباً. وبالتالي فإن الصين وروسيا ليسا بوارد خسارة سوريا وانتقالها بالكامل إلى الضفة الأخرى، أو بوارد الغوص مع الإدارة الأميركية في مفاوضات لا تسمن ولا تغني، وأقل ما يقال فيها أنها مفاوضات للبت بطريقة إعدامهما … أرمياً بالرصاص؟ أم على كرسي الكهرباء؟ أشنقاً في الساحات العامة؟ أو بقطع الرؤوس على طريقة بعض المعارضة السورية؟!

4 نوفمبر, 2011

إعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل