هل سيكون لحمص ملف لمفقوديها ؟

20 نوفمبر, 2011 - 6:40 مساءً
هل سيكون لحمص ملف لمفقوديها ؟

بقلم الزميل أحمد العاقل مراسل تلفزيون الدنيا بحمص

“ملف المفقودين” مصطلح عرفناه كمشكلة تعاني منها بعض دول المنطقة كالعراق و لبنان .

ولكنه يبرز الآن في سورية و تحديدا في مدينة حمص التي تعيش منذ آذار الماضي كما المدن السورية الاخرى أزمة لم يعد خافيا على أحد أهدافها و ادواتها و اساليبها .

لم تبدأ عمليات الخطف في حمص منذ بداية الاحداث بل جاءت بعد أشهر من اندلاع ما يسمى بالثورة السورية و يعتبر كثيرون أن حالات الخطف جائت بعد أن استنفذت المجموعات الارهابية المسلحة في حمص كل قواها و لم تحقق اي انجاز حقيقي على الارض . و كثرت بعد تمكن السلطات السورية من القاء القبض على عدد من الاسماء التي كانت تقود المجموعات الارهابية و تدعم المسلحين سواء بالمال أو السلاح و مصادرة عدد كبير من الاسلحة و السيارات التي كانت تستخدم من قبل المسلحين في عمليات الارهاب و القتل و افتضاح اتصالات ادت الى كشف الكثير من الحقائق حول الوضع في سورية .

أول عملية اختطاف تمت في حمص كانت من خلال اختطاف ثلاثة شبان من ابناء حي عكرمة و تعود اسباب اختطافهم لمشاركتهم في حملة أكبر هوية سورية و نشاطهم ضمن فعالية (( بكفي )) التي رسم المشاركون بها علم سورية بأكفهم . و سيناريو الاختطاف تم من خلال استدراج الشبان الثلاثة الى حي باب السباع ثم اختطافهم و تصويرهم وانتزاع اعترافات منهم على أنهم شبيحة للنظام و بأنهم شاركوا في قتل المتظاهرين , و تم نشر الفيديو عبر اليوتيوب و عرضته بعض الفضائيات وبعد أيام تم العثور على جثثهم مرمية في شارع الملعب البلدي و قد ظهرت عليها آثار التعذيب و التنكيل و قد اقتلعت الاعين اليسرى للشبان الثلاثة مما أثار تساؤلات كثيرة.
وكانت لتلك الحادثة تبعات خطيرة حيث أن الشبان الثلاثة هم من احياء مؤيدة للرئيس بشار الاسد و يتبعون لطائفة معينة مما أثار غضب الشارع المؤيد في أحياء تلك الطائفة كانت من نتائجه تكسير بعض المحال التجارية و طرد بعض المستاجرين من ابناء طائفة اخرى وهذا ما اعتبره مرتكبوه ردة فعل على مقتل الشبان الثلاثة و قد برز في ذلك اليوم موقف جديد للشارع المؤيد من القوى الامنية التي جائت على الفور للحد من عمليات التكسير و التخريب في الاحياء المؤيدة حيث اعترضو ا طريقهم و رفضوا قبول دخولهم الحي و اتهموهم بأنهم غير قادرين على حمايتهم من العصابات المسلحة . وقد وجهت اصابع الاتهام في ذلك الوقت الى ما يعرف برابطة العمل الشيوعي و ضلوعها بالاحداث التي ادت الى تجييش الشارع المؤيد وذلك بهدف تأزيم الاوضاع بدلا من العمل على تهدئتها .

وفي يوم تشييع الشبان الثلاثة سجلت حادثة اختطاف جديدة تمثلت باختفاء الشاب أكرم خضور و هو من أبناء حي الزهراء ويعمل في مكتب جريدة “بلدنا السورية” وبعد 48 ساعة من اختفاءه تم العثور على جثته بالقرب من مسجد الرفاعي في حي النازحين بحمص و قد ظهرت على الجثة آثار تعذيب و حرق ثم تلتها عملية اختطاف شرطيين من شرطة كراج الانطلاق الشمالي وقتلهم و حرق جثثهم ورميها خلف مسجد الامام النووي في حي البياضة .

وتتابعت عمليات الاختطاف و القتل بوتيرة متسارعة و شبه يومية و بعض حالات الاختطاف طالت ضباطا و افرادا من الجيش و تم تصويرهم على انهم منشقون عن الجيش و بعد ان يتم عرضهم على فضائيات عربية يتم العثور على جثثهم في مناطق متفرقة من المدينة .

ثم أخذت عمليات الاختطاف منحاً آخر حيث أصبح الهدف من وراءها تحرير بعض الاشخاص ممن اعتقلتهم السلطات نتيجة تورطهم في الاحداث و الامثلة على ذلك كثيرة و ربما يكون خير مثال حادثة اختطاف الدكتور محمد خضور عميد كلية الهندسة البتروكيميائية حيث تم اختطافه أثناء توجهه الى عمله في كلية البتروكيمياء في حي دير بعلبة و اقتيد الى مكان مجهول بعد تعصيب اعينه و من هاتفه الجوال تم التواصل من قبل الخاطفين مع أهله و اصدقائه طالبين منهم بأنهم لن يفكوا اسره حتى يتم تحرير أحد المعتقلين .. و طبعا لم يستطع اهل الدكتور محمد خضور تحقيق ذلك المطلب فقالوا للخاطفين عبر احد الاتصالات : “انكم تطلبون المستحيل فلا احد بامكانه أن يطلب من الدولة أن تفرج عن معتقل و ان تتجاوب الدولة بسرعة .. ضعوا انفسكم مكاننا فهل تستطيعون؟؟” .
ثم بعدها بدأت مساعي الوجهاء تأخذ طريقها للتوصل الى حل مع الخاطفين مما استدعى تدخلا من وجهاء حي دير بعلبة لتوجيه النداء عبر المساجد من أجل فك اسر الدكتور محمد خضور و قد تم ذلك بعد أن قضى الدكتور محمد خضور 73 ساعة في الاختطاف .

و ان كان القدر قد أراد أن يعود الدكتور محمد خضور الى منزله سالما دون أن يتعرض للأذى فإن القدر لم يشأ ذلك مع آخرين فقد تم الاعلان عن حالات اختطاف كثيرة و عن مصير مجهول لشبان يخرجون من منازلهم و لا يعودون اليها ليتم اكتشاف جثثهم في مناطق متفرقة في حمص . فمنذ ثلاثة اشهر لم يخلو صباح يطل على حمص من حوادث العثور على الجثث المجهولة الهوية ليتم التعرف عليها فيما بعد و لتظهر الحقيقة بأن من كان مفقودا ومجهول المصير قد أصبح في عداد من يلفون بالعلم الوطني و تهتف لهم الحناجر ( لا اله إلا الله و الشهيد حبيب الله ) .

فيما بعد تغير مجرى الاحداث في حمص بعد اختطاف سيرفيس مخصص لنقل عاملات في مشغل خياطة و هن من سكان حي الزهراء و المشغل يقع في حي عكرمة و تمت عملية الخطف في الطريق الواصل بين الحيين المذكورين وتحديدا عند نقطة دوار الفاخورة التي تعرض فيها الكثير من المواطنين لعمليات قنص و اطلاق نار . و قتل في تلك المنطقة العديد من المواطنين و عناصر الجيش ولأن عمليات الخطف طالت و للمرة الاولى فتيات .. هنا بدأ الرد يأتي بالمثل حيث تم اختطاف عدد من الشبان من أحياء اخرى واجريت عدة اتصالات حتى تم تحرير الفتيات من خاطفيهم بعد ساعات قليلة من الاختطاف ثم بات الشارع الحمصي يسمع عن عمليات خطف من كل الاحياء و الاعداد تتضارب و تتفاوت .. و بات هدف كلا الطرفين أن يخطف من الطرف الآخر ليحرر اسراه . و انتشرت هذه الظاهرة في حمص و عمليات التحرير تتم بجهود الوجهاء و المخاتير وبعيدا عن  اعين الاجهزة الامنية إلا في ما ندر

و استمرت هذه العمليات بوتيرة تصاعدية فباتت كل عملية خطف تقابلها عملية خطف لدى الطرف المقابل و كلما اكتشفت جثة لأحد المفقودين من جهة يقتل مقابلها أحد الرهائن لدى الطرف الآخر .
و المسألة مستمرة حتى اليوم في حمص .. و خلال اعداد هذا التقرير تمت عملية تبادل للمخطوفين شملت ثلاثين مخطوفا نصفهم من احياء مؤيدة و نصفهم من أحياء معارضة بينهم نساء و رجال من كلا الطرفين و تمت عملية التبادل بمساعي من الوجهاء و رجال الدين في كل الاحياء .

يبقى هناك اشخاص كثيرون لم يعرف مصيرهم حتى هذه اللحظة من كل أحياء حمص , اولئك الأشخاص ربما يتم تحريرهم من خاطفيهم قريبا و يعودون الى أهلهم و ربما نستيقظ ذات صباح لنجدهم جثثا على قارعة الطريق كما يحدث كل يوم , و في حال بقي المصير مجهولا سيكون لحمص ملفاً يؤرق المواطن و المسؤول معاً تحت مسمى ( ملف المفقودين ) .

 

20 نوفمبر, 2011

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل