الحدود التركية السورية – خلافات وخلايا نائمة و«جهاديون» وتخزين للسلاح

12 مايو, 2012 - 2:17 مساءً

قاسم حمادي – السفير

يخرج صوت العقيد الركن المنشق عن الجيش السوري قاسم سعد الدين من مخبئه في مدينة حمص، وعبر برنامج «سكايب» للاتصالات، متقطعا، ويكشف خلال اجتماع بينه وبين عدد من المنشقين العسكريين مع السفير السوري السابق في السويد محمد بسام العمادي، أن التيار السلفي الجهادي، وبدعم من جماعة «الإخوان المسلمين» في سوريا، يخزنون الأسلحة لمرحلة «ما بعد سقوط النظام»، مضيفا أن «المجموعات السلفية لديها أجندة خاصة بها لما بعد انهيار النظام. نحن نحارب وننجز المهمة الأصعب، وهم يريدون الوصول إلى السلطة على ظهرنا ومن دون عناء. فالسلاح الذي يخزن الآن سيستخدمونه بعد انهيار النظام للوصول إلى السلطة».

وصف سعد الدين للأوضاع الصعبة للمنشقين في الداخل السوري بأنه لا يختلف كثيرا عن الوضع على الحدود التركية ـ السورية. يرن أثناء اللقاء، هاتف مسؤول لوجستي في المعارضة السورية فينتفض غضبا، يترك هاتفه على طاولة ويغادر. أبلغ المتصل أن اثنين من المعارضة السورية اختلفا وأطلق أحدهما النار على الآخر. بدأ الإشكال عندما طلب رجل أعمال سوري مقيم في السعودية من معارض سلفي من حلب يدعى «أبو جميل الجبنة» أن يكشف له ماذا حل بالسلاح الذي اشتراه بقيمة 30 ألف يورو وهربه إلى سوريا. أتى التاجر خصيصا إلى هاتاي لمقابلة «ابو جميل» ومعرفة مصير المساعدة المالية التي قدمها.

وبعدما أصر التاجر السوري على معرفة ماذا حصل بالمبلغ، وأين ذهب السلاح، رفض «أبو جميل» أن يتجاوب وانتهى الخلاف بإطلاقه رصاصتين على التاجر، ما استدعى نقله في وقت متأخر من الليل إلى أحد المستشفيات الحدودية في تركيا. اعتقلت الشرطة التركية «أبو جميل» بتهمة حيازة سلاح غير شرعي وإطلاق النار لمحاولة القتل، كما أبقت على التاجر المصاب تحت المراقبة الأمنية في المستشفى.

ويقر السفير السوري السابق بأن المجلس الوطني السوري لا يمثل المسلحين السوريين وان هناك تيارات إسلامية تعمل على حسابها. يوافقه الرأي سعد الدين، ويقول عبر برنامج «سكايب» الذي يصعب على النظام السوري مراقبته ان «المجلس الوطني يجب استبداله. فالاداء السياسي والميداني لرئيس المجلس برهان غليون موضع جدل كبير ضمن أوساط المعارضة والعسكر. غليون فشل في إقناع المجتمع الدولي بتزويدنا بالأسلحة».

ويشير العمادي إلى أن المعارضة المسلحة لا ترى في المجلس الوطني أو في غليون ممثلا قويا يتحدث باسمها. إضافة إلى ذلك، تواجه المعارضة المسلحة انقسامات حادة داخل بعضها البعض، فسعد الدين يتهم قائد «الجيش السوري الحر العقيد» رياض الأسعد بـ«شق الصف» بسبب أدائه «الضعيف» الذي أدى إلى انشقاقات داخل صفوف «الجيش الحر»، ويشير إلى أن «حالات الانشقاقات تقف وراءها المجموعات السلفية أو تلك التي تدور في فلك حركة الإخوان المسلمين». ويتهم المنسق العام لهيئة حماية المدنيين هيثم رحمة بأنه «فاتح إمارة إسلامية في حمص على حسابه. نحن نسعى لإسقاط النظام وبناء دولة ديموقراطية حديثة بينما جماعة هيثم رحمة يقسمون الولاء للأمير وليس للوطن».

تحاول فصائل المعارضة السورية إقناع الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، برفع مستوى الدعم من سياسي ومعنوي ومالي ولوجستي محدود إلى المستوى التسليحي الذي وصل إليه المعارضون الليبيون أثناء «الربيع الليبي» الذي انتهى بإسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وفي الوقت ذاته، تعرب الدول الغربية عموما والإدارة الأميركية خصوصا عن مخاوفها من وصول السلاح إلى مجموعات مسلحة، كتنظيم القاعدة وأخواته، لذا تعمل الولايات المتحدة، عبر قنواتها، لتنظيم الشارع السوري لمرحلة ما بعد انهيار النظام.

ويكشف العمادي، للمرة الأولى، انه بدعم من الأميركيين ينشئ مجالس مدنية في المدن والقرى السورية. ويشرح أن مهمة «المجالس النزول إلى الشارع وتولي زمام الأمور بعد انهيار النظام، كي لا تدب الفوضى وتخرج الأمور عن السيطرة. تمكنا حتى الآن من إنشاء نحو ١٥٠ مجلسا مدنيا في العديد من المدن والقرى السورية. يتم اختيار أعضاء المجالس من وجهاء المناطق، ونعمل على تعميم هذه الحالة على كل الأراضي السورية. الأميركيون لا يريدون الفوضى بعد انهيار النظام ويريدون الاستفادة من أخطاء السيناريو الليبي».

تلقى فكرة المجالس ترحيبا من الضباط المنشقين. يقفل العقيد قاسم سعد الدين برنامج «سكايب» آملا تنفيذ الوعود التي حصل عليها، بمده بالعناصر والسلاح عما قريب. يدخل العقيد المنشق خالد الحبوس من دمشق على الخط، ويقول «هذا النظام لن يسقط حتى نخلق بديلا له. المجتمع الدولي لن يمد لنا يمد العون إذا لم نجد بديلا قادرا على إدارة البلاد بعد انهيار النظام. هناك معارضون ضمن المعارضة السورية أسوأ من النظام. المجلس الوطني السوري لا يمثل إلا نفسه، لأنه هزيل وضعيف. حان الوقت لإنشاء مجلس وطني جديد أو حكومة برئاستك أنت»، متوجها بالكلام إلى العمادي.

وكان العمادي قد عين سفيرا لسوريا لدى السويد في العام ٢٠٠٤، إلا انه عاد إلى سوريا بعد مضي أربع سنوات، وقدم، بحسب قوله، استقالته ثلاث مرات إلا أنها رفضت. ويقول «قررت الاستقالة بعد أن لمست حجم الفساد والظلم داخل أجهزة الدولة والنظام. رفضت استقالاتي المتكررة خوفا من أن أفضح جرائم النظام». إلا أن وزارة الخارجية السورية، وبعد تقارير وصلتها من العاصمة استوكهولم، أحالت العمادي على المحاكمة للاشتباه باختلاسه أموالا والقيام بعمليات غير مشروعة. يقول العمادي «أسندوا إلي اتهامات لأني رفضت أن أستمر بالعمل معهم».

يحاول العمادي أن يهدئ من غضب العقيد خالد الحبوس، ويقول «نسعى للحصول على السلاح. ليبيا هي أكثر دولة مستعدة لتزويدنا بكل أنواع الأسلحة، ولكن ننتظر رفع الحظر الأميركي عن الموضوع»، فيجيبه الحبوس ان الأسلحة التي بحوزة المنشقين لا تكفي لإسقاط النظام «فنحن بحاجة إلى مضادات للدروع ومضادات للطائرات وقواذف ار بي جي وأنواع أخرى من الأسلحة الثقيلة. المعركة ستكون أقسى عما قريب لان خطة (المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا) كوفي انان لن تنجح، وهي فاشلة».

تركيا متشددة

يواجه المعارضون السوريون صعوبة في تهريب الأسلحة والعتاد إلى الداخل السوري. فأسعار السلاح ارتفعت كثيرا. سعر رشاش «الكلاشنيكوف» يتراوح بين ١٥٠٠ إلى ألفي دولار أميركي، وسعر الطلقة الواحدة ٥ دولارات.

في الصباح المتأخر يصطحبنا المسؤول اللوجستي المعارض ورفيقه البعثي العراقي إلى شريط القرى المتاخمة للحدود التركية مباشرة. يشرح البعثي العراقي، الذي هرب من سوريا إلى تركيا، عندما انشق حزب البعث في العام ١٩٦٦ الخريطة المذهبية للقرى التركية، ويقول إن «المناطق العلوية في تركيا موالية لنظام بشار الأسد وتعمل على مساعدته بكل الأساليب». ويكشف أن اعتقال المقدم المنشق حسين هرموش على الأراضي التركية تم بمساعدة رجال استخبارات أتراك علويين «من دون التنسيق مع القيادة السياسية في أنقرة».

تمر السيارة بمحاذاة مخيمات النزوح المقفلة أمام الصحافيين والزوار، والتي يحرسها الجيش التركي. أكثر المخيمات المفروض عليها حراسة مشددة هو مخيم الضباط والجنود السوريين المنشقين الذي يقع على سهل في العمق التركي، وليس مباشرة على الحدود. تكمل السيارة طريقها، وتدخل ببطء إلى قرية نشرين التركية التي تبعد بضعة كيلومترات عن قرية خربة الجوز السورية. ويتم ركن السيارة إلى جانب منزل حجري بالقرب من الطريق الرئيس المطل على الجانب السوري. يجلس «أبو بدر» (٤٧ عاما)، بالقرب من فرن طين، ويحرك شوربة العدس بعناية. إنها وجبة اليوم لرفاقه المقاتلين.

المتطوع الجزائري – الفرنسي، أب لستة أولاد أصغرهم عمره خمس سنوات. ترك عائلته في مدينة مرسيليا الفرنسية ووصل إلى الحدود السورية – التركية قبل شهرين. يؤمن أبو بدر بأن ما يقوم به عمل «جهادي» إكراما «لله وللدين». فهو عندما غادر منزله في مرسيليا لم يقل لعائلته إنه سينضم إلى المسلحين. يوكل أبو بدر مهمة إتمام طبخة الشوربة للشاب إبراهيم المنلا (٢٧ عاما) من اللاذقية، ويقول «أنعم الله علي بالزواج والأطفال وبزوجة مؤمنة، وبالعمل كما اني عشت معظم سنوات حياتي في فرنسا أعمل في تدريب الفروسية. حان الوقت لأعمل لآخرتي. لم أجد أفضل من طريق الجهاد. عندما اندلعت الثورة الليبية كان حلمي أن أنضم إلى المجاهدين الليبيين، ولكن لم أتمكن من ذلك. فور اندلاع الثورة في سوريا خططت للانضمام إلى صفوف الثوار».

اشترى أبو بدر تذكرة سفر واستقل الطائرة من فرنسا إلى تركيا ومن ثم إلى الحدود السورية. لم يتصل بعائلته، التي لا تعرف عنه شيئا منذ أكثر من شهرين، فهو كما يقول «لا أريد أن أترك مشاعر الأبوة تسيطر على عقلي. أنا هنا في مهمة مقدسة، وسأبقى لأتممها وأدخل مع الثوار إلى سوريا لإطاحة النظام».

يقول أبو بدر كلماته بهدوء وثقة، ولكن يصل الصوت إلى الغرفة التي يجلس فيها عناصر مسلحة من كتيبة «فرسان الساحل» من المعارضة المسلحة. مجموعات «فرسان الساحل» تنتشر على طول الحدود مع سوريا منذ أكثر من شهرين. وعدد عناصر كل مجموعة يصل الى نحو ٢٥، يقضون وقتهم في التدريبات العسكرية ومتابعة الأحداث في سوريا. فمهمتهم بحسب المسؤول العسكري محمد «لم تأت بعد»، إذ انهم ينتظرون أن «يتغير الوضع في اللاذقية لندخل إليها».

يقول «محمد»، الذي أطلق لحية خفيفة، إن ابو بدر الجزائري واحد من المتطوعين الأجانب الذين انضموا إلى صفوف المعارضة السورية، ولكن هناك «إخوة من الجزائر ومن ليبيا» ولكن لأسباب أمنية وإعلامية لا يسمح للإعلاميين بمقابلتهم جميعا. ويشيد قائد المجموعة بالمتطوع الفرنسي ـ الجزائري، ويقول ان «ابو بدر رجل مجاهد، يطلب منا ان نترك البيت هناك ونعيش في الجبال لنتعود على صعوبة الحياة ونتهيأ للمعركة المقبلة مع النظام». ويضيف «محمد»، الذي لم يتجاوز ٣٥ سنة، «مهمتنا أن نتدرب عسكريا ونستعد نفسيا للحرب. نحن لا نقوم بعمليات حرب عصابات، لان مهمتنا الدخول إلى الساحل في ما بعد».

ويشتكي «محمد» من نقص العداد العسكري، قائلا «لدينا مقاتلون كثر ولكن ينقصنا السلاح. السلطات التركية متشددة كثيرا من ناحية السلاح. يقوم الأمن التركي بمداهمة المنازل والأماكن التي نحن فيها باستمرار بحثا عن السلاح لمصادرته. كما أن الجيش التركي اعتقل ضباطا وعناصر أثناء محاولتهم تهريب سلاح أو عتاد إلى الداخل السوري. من الصعب أن نفهم الموقف التركي. فهم متشددون ضدنا على الأرض ولكن تصريحاتهم السياسية تطالب بإسقاط النظام».

حتى العمادي، الذي كان على علاقة يومية ووطيدة مع الاستخبارات التركية، لاحظ أن تركيا تغـيرت تجاه المعارضة السورية وأصبحت متشددة كثيرا. لا يعتقد العمادي أن تركيا سـتغير سـياستها تجـاه النـظام السوري ولكن «هي بلد يريد الحفاظ على أمنه. أما النظام في دمشق فهو ساقط عما قريب. هذه قناعة مبنية على معلومات لا على مشاعر».

المجموعات «النائمة» لفرسان الساحل لا تقوم في الوقت الحالي بأعمال عسكرية، ولكن هناك معارضين مسلحين يرفضون إيقاف القتال. وباتجاه الوادي الممتلئ بشجر اللوز المثمر، والذي يفصل القريتين السورية والتركية بعضهما عن بعض، يقع منزل حجري قديم. يجلس عبد السلام دلول (٤١ عاما) ومحمد أحمد عبد الوهاب الملقب «بالبطريق» في غرفة الجلوس لاحتساء الشاي وتقييم عمل اليوم. «البطريق» أشهر من نار على علم بين سكان قرى الشريط الحدودي، فهو ظهر في أكثر من مرة على قناة «الجزيرة» وردد جملته الشهيرة «نحن بشر ولسنا حيوانات ونريد أن نعيش». وأصبحت هذه الجملة جزءا أساسا من الإعلانات التي تسبق أخبار سوريا على «الجزيرة».

«البطريق» هو ابن المنطقة الحدودية، ويعمل منذ فترة في تهريب كل ما يمكن تهريبه إلى الداخل السوري. أما عبد السلام فهو من أكثر المطلوبين السوريين على الحدود، فهو يقود مجموعات تقوم بحرب عصابات ضد الجيش السوري، كما أنه أشرف شخصيا على تهريب عدد كبير من ضباط الجيش المنشقين، مثل هرموش والأسعد.

ويقول عبد السلام «عدت منذ قليل من الموقع المتقدم في سوريا. يمكننا أن ندخل ونخرج من الأراضي السورية متى نشاء. عندنا طرقنا وأساليبنا الخاصة. النظام السوري يبحث عني لأنه يعرف ما يمكنني القيام به. هم رصدوا أكثر من مئة رجل أمن لاعتقالي أو قتلي، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك».

ويصف عبد السلام نفسه بأنه مقاتل مستقل، له مجموعاته وينسق مع «الجيش السوري الحر» وأنه لا يتقيد بتعليمات أو أوامر المجلس الوطني الذي لا يمثله، كما يقول. كما أن وقف إطلاق النار أو أي هدنة تتفق المعارضة مع النظام عليها لا يتقيد هو بها. ويروي أنه «قبل أيام قليلة، أي بعد اتفاقية كوفي أنان قمت وستة عناصر آخرين بمهاجمة مواقع للجيش السوري في الداموس قرب قرية خربة الجوز وقتلنا ٤٥ ضابطا وعنصرا. كل عملياتنا العسكرية ننفذها بأسلحة خفيفة. نحن ننتظر تزويدنا بأسلحة صاروخية وثقيلة للسيطرة على كل الشريط الحدودي. يمكننا السيطرة خلال فترة زمنية قياسـية، لو حصلنا على السلاح، فنحن عندنا ما يكفي من المقاتلـين ولكن ينقصنا السلاح».

مثله كمثل بقية المقاتلين المنتشرين على طول الحدود يشتكي عبد السلام من الموقف التركي المتشدد، ويضيف، بصوت مرتفع، «نحن مسـتعدون للـتعاون مع أي جهة كانت، حتى لو كانت تلك الجهة هي إسرائيل، للحصول على السلاح وإسقاط النظام في سوريا».

12 مايو, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل