لبنان إلى النظام العشائري در: طرابلس ليست وحدها “متمردة”

17 مايو, 2012 - 12:39 مساءً

ماهر الخطيب – النشرة

يستمر فريقا الصراع السياسي في لبنان، 8 و14 آذار، في تحضيراتهما إلى الإنتخابات النيابية المقبلة في العام 2013 بشكل كبير، من أجل الإمساك بسلطة الدولة، لكن حتى ذلك الوقت يبدو أن الدولة ستكون فقدت كل سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بسبب ممارسات هذين الفريقين السياسية منذ العام 2005 حتى اليوم.

لم يعد هناك من يهاب سلطة الدولة والقانون، كل مواطن يستطيع أن يفعل ما يشاء من دون حسيب أو رقيب، لأن “عشيرته” ستنصره ظالماً أو مظلوماً، من الشمال إلى البقاع إلى الجنوب إلى بيروت، الدولة تنأى بنفسها عن كل شيء، وتتفرج.

الدولة مهددة
من حق الحكومة اللبنانية ورئيسها نجيب ميقاتي إعتماد سياسة “النأي بالنفس” في التعامل مع الأحداث السورية، ومن حق المعارضة أن تعترض على هذه السياسة جملة وتفصيلاً، لكن ليس من حق أي منهما إعتماد سياسة النأي بالنفس عما يحصل داخل الوطن، حالة التردي التي وصلت إليها سلطة الدولة على الصعيد الأمني وصلت إلى حد يهدد الكيان، لم يعد أحد ينتظر قرار الدولة في أي مسألة، باتت “العشائر” تجتمع عند أي حدث لتأخذ القرار المناسب، غير مهتمة بموقف الدولة وتداعيات قراراتها.
منذ زمن بعيد، يتخوف اللبنانيون من خطر التقسيم، ولكن كل ظواهر هذه الحالة باتت موجودة ومترسخة، هذا الأمر كان واضحاً في الأحداث الأخيرة التي وقعت في مدينة طرابلس من خلال نزول العديد من المواطنين للإعتراض على إعتقال الشاب شادي المولوي من دون معرفة أسباب هذا الإعتقال، سبب الإعتراض واضح، إعتقال شاب من أبناء “العشيرة”. لم يكترث أحد بالإتهامات التي وجهت له فالرسالة كانت واضحة، ممنوع المس بأبناء “العشيرة”، وفي السياق نفسه كانت الأنباء عن إقدام إحدى العائلات في منطقة البقاع على خطف سوريين من داخل الأراضي السورية وإحتجازهم داخل لبنان بعد أن قامت مجموعة سورية مسلحة بخطف ثلاثة مواطنين لبنانيين، ومن ثم جاءت الأنباء عن إجراء عملية تبادل للمخطوفين، ليس من المؤكد إن كانت العائلة قد أبلغت الأجهزة الرسمية اللبنانية بعملية خطف أبنائها، لكنها قررت بنفسها أن ترد الصاع صاعين من دون الإهتمام بموقف الدولة، فـ”العشرة” هي من يقرر ولا وجود للدولة هناك.

النظام العشائري والأمن بالتراضي
لم يعد الكلام عن أن سلطة الدولة لم تعد موجودة أو هي في أحسن الأحوال شبه موجودة، كلاماً سياسياً فقط يطلقه فريق سياسي لإستهداف الفريق الآخر في إطار تسجيل النقاط، الأمر بات مؤكداً ويلمسه المواطن العادي كل يوم، فعندما لا يكون بإستطاعة الدولة فرض القانون على أراضيها لا يعود هناك من مبرر لوجودها.
المجتمع اللبناني يعود اليوم إلى النظام العشائري حيث تتولى كل “عشيرة” الدفاع عن مصالحها ووجودها بقوتها الذاتية وتقرير مصيرها وسياستها الخارجية بنفسها، وكلام رئيس بلدية عرسال علي الحجيري في نهاية الأسبوع المنصرم، الذي لم يعط الإهتمام الكافي من قبل أي مسؤول، أكبر دليل على ذلك. الرجل كان واضحاً وصريحاً بكلامه بالرغم من أن حالته ليست فردية، هو دعا أبناء بلدته إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، وقرر الوقوف بوجه النظام السوري مهما كان الأمر وبغض النظر عن موقف الدولة، وبذلك تحول الحجيري من “ريس” إلى “رئيس جمهورية مستقلة” لها سياسة خارجية خاصة واستراتيجية دفاعية تعتمدها بوجه من “يهدد” أمنها، وسكوت الجهات الرسمية عن كلامه يعني بشكل غير مباشر القبول به ضمنياً.
الإنهيار التاريخي لسلطة الدولة على مختلف الصعد الإجتماعية والإقتصادية، لم يهدد وجودها، لكن إنهيار هذه السلطة على الصعيد الأمني سيؤدي إلى ذلك بالتأكيد، والمسؤولية تقع على عاتق الجميع، تقع على عاتق كل من يتدخل لدى أي جهاز أمني للإفراج عن معتقل، وعلى كل قائد أمني يقبل بذلك، المسؤولية تقع على عاتق كل من يسعى إلى ترسيخ مفهوم “الأمن بالتراضي” لأن الأمن لا يمكن أن يكون كذلك، وعلى عاتق من يسكت على تجاوز دور الأجهزة الأمنية، ولا يمكن أن تتولى مرجعيات سياسية ودينية وضع حد لإشتباكات أو خلافات تحصل، وأخطر ما في الأمر هو أن هذه الأجهزة تُكسر هيبتها يومياً عبر منعها من التعامل مع أي حادثة لحين إنتظار “الغطاء” السياسي.
“الغطاء” السياسي الذي يريد البعض أن يكون متوفراً لتحرك الأجهزة الأمنية، دليل على أن القوى السياسية هي التي توفر الحماية لكل من ينتفض على الدولة، وهي تريد أن تؤمن له الإنسحاب من الساحة قبل دخول الأجهزة الأمنية، وهذا الكلام لا يعني أن الأجهزة لا تخطىء، لكن المعالجة لا تكون بالضغط عليها وكسر هيبتها وإدخالها في سجالات طائفية ومذهبية، بل في المحاسبة التي ينص عليها القانون.

في النتيجة، كسر هيبة الأجهزة الأمنية بدلاً من محاسبتها في حال أخطأت سيؤدي إلى تعطيلها ومنعها من القيام بعملها، فلا يمكن أن يقوم أي جهاز أمني بعمله بالشكل المطلوب إذا كان سيهدد بأن ذلك سيؤدي في كل مرة إلى تهديد السلم الأهلي، وإذا كانت العراقيل ستوضع بوجهه، وخروج المسلحين والخارجين عن القانون عبر وسائل الإعلام بشكل علني يعني أن هؤلاء واثقين بأن المحاسبة لن تحصل، لكن بحال إستمر التعاطي بهذه الطريقة، فعلى الدولة السلام، منذ الآن.

17 مايو, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل