خاص – بين الجبل والتبّانة: تجييش وحقد وطائفية وتقسيم وحرب اهلية في الافق

5 يونيو, 2012 - 8:48 مساءً

تحقيق خاص من جبل محسن وباب التبّانة، إعداد زياد الشيخ

لم يعد يخفى على احد ما يحصل في مدينة طرابلس من شحن مذهبي فئوي وتحريض طائفي اعمى وحرب اهلية في الشوارع بين الجيران والشعب الواحد، هو صراع قديم جديد، صراع عمره اكبر من عمر اغلب المتقاتلين في الشوارع، في كل جولة من الحرب يكون لها سبب، ففي عام 2008 كان سببها 7 ايار، اما اليوم فسسب يعود لـ “الثورة السورية” التي إنقسم اهل الجبل والتبانة عليها بخلفية طائفية.

تجولنا في شارع سوريا الفاصل بين التبانة والجبل، للوهلة الاولى تظن نفسك في احدى شوارع كوسوفو او سراييفو ايام الحرب في تلك الدول، او تعتقد نفسك على أحد خطوط التماس في بيروت زمن الحرب الاهلية اللبنانية، عناصر الجيش اللبناني مدججين بالاسلحة، يتحصنون خلق المتاريس، وفي الجهة الاخرى مسلحون من التبانة نفسها، بعتادهم العسكري الكامل، بنتظرون ساعة الصفر وساعة المعركة ليخرجوا للجهاد كما يقولون.

في شوارع طرابلس اليوم، ترى وتسمع وتتحسس، تتحسس المدى الذي وصلت إليه السموم الطائفية، حقد طائفي اعمى، إتهام وتجريح، وإستعداد لحمل السلاح للدفاع عن الطائفة. احد المسلحين الذي عرّف عن نفسه بأسم “خالد الطرابلسي” وهو من التبانة، قال انه حمل السلاح لنصرة “اهل السنة” و “الثورة السورية” كما يزعم، معتبراً انّ اهالي جبل محسن يحولون انفسهم لاعداء لنا، مضيفاً انهم السبب، لانهم يدعمون من اسماه “طاغية الشام” ويساهمون بقتل “اهل السنة” هناك.. كلام يعبر عن الجميع هنا، كلام طائفي بحت.

تنظر في عيون هؤلاء الشبان المقاتلين ترى في اعينهم الحقد والتطرف، تتأكد عندما يتحدثون عن المشكلة ببنهم وبين اهل الجبال، فترى كيف يشدّون على اسنانهم وتتغيّر تعابير وجههم، وكأنهم يقاتلون محتلاً قابعاً على ارضهم، فترى الحقد متجسداً في خلقتهم.

مقاتل آخر وهو “الفاروق” كم عرّف عن نفسه، يعتبر ان طرابلس لاهل السنة، وهو يفضل ان يذهبوا العلويين إلى سورية (لعند بشار) كما قال لانهم “شبيحته وزلمه”، وعند سؤالي بأنهم طرابلسيون ايضاً اجاب: “هل يؤمنون بالخلفاء؟؟ إذا كانو يؤمنون فهم منّا وإذا لا فهم خارجون عنّا”!!! بهذا اللسان اجابنا مضيفاً بعد سؤالنا عن حرق محالهم: “العباد محقونين منهم، هم يقصفوننا بالهاون طوال الليل ويحرقون بيوتنا، فلماذا نترك محالهم؟؟” معبتراً ان الحل هو بالتقسيم “فليقيموا لهم دولة ويخلصونا منن” !!

على الضفة الاخرى وفي جبل محسن، رواية متضاربة، هناك الجيش موجود، للوهلة الاولى تظن نفسك انك خرجت من دولة إلى اخرى، هنا ترى صور الرئيس بشّار الاسد، والسيد نصرالله، وفي التبانة ترى النقيض تماماً.

العلويون يعتبرون انّ السبب في كل الذي يحصل هو إقامة منطقة عازلة لدعم “الثوار السوريون” ويعتبرون ان الموضوع يتم عبر التعرض لهم وللجيش اللبناني، هم يعتبرون ان السلاح موجود لحماية انفسهم من اهالي التبانة كما قالوا.

“حيدرة” وهو احد المشاركين في القتال قال: “نحن لم نرد ان نتقاتل معهم، ولكنهم يستبيحون دمنا، ويعتدون علينا، وليس هناك من احد يحمينا منهم، هم عند كل مشكلة يصوبون بنادقهم إلينا وكأننا الاعداء” مضيفاً: “هم ارادوا هذه المعركة، ونحن لن نسمح لهم بالقضاء علينا، نحن نفتخر بوقوفنا إلى جانب المقاومة وسورية الاسد، وهذا الذي يغيظهم”.

زميل “حيدرة” وهو “الشبّيح” كما عرف نفسه، قال “أنني هنا لادافع عن اهلي من رصاص هؤلاء، انا لم اكن طائفياً ابداً، ولكنهم اجبروني على ما انا عليه، انا لا استطيع ان ارى اهلي يذبحون وانا جالس انظر واتفرّج”، اضاف: “بعت دراجتي النارية من اجل السلاح، كرامتي وكرامت اهلي اغلى من كل شيء، يريدون الجهاد فليذهبوا للجهاد في فلسطين، ويريدون دعم “الثورة السورية” فليدعموها، ولكن الدعم يأتي بقتلنا نحن، لماذا لاننا علويين، هذا هو السبب.

تتجول في شوارع الجبل فترى القاسم المشترك بين الجبل والتبانة، وهما الطائفية والحقد، فكلاهما يتمترس وراء طائفته، وكلهم “مجاهدين” وكلهم “شهداء”، منسوب الطائفية هنا في الجبل، كمنسوبها في التبانة، شخص آخر ممرنا به وحدثناه ولم يعرف عن اسمه قال: السبب في هذا الحرب علينا ليس بشار الاسد فقط، فنحن علويون، واسمنا فقط سبباً لقتلنا بنظرهم، هم يريدون قتلنا لانن موالون للامام علي “كما قال”، هم سلفيون تكفيريون، يعتبروننا كفرة، ونحن ايضاً نعتبرهم كفرة، نحن لا نتقبلهم وهم لا يتقبلوننا، والحرب هي الحل”!!، هنا إستوقفته وسألته، وهل الحرب ستغير هذه النظرة، اجاب وهم يبتسم “لا يا ولدي فالحرب ستعلمهم بأننا لسنا هررة بل اسود ولحمنا مرّ”..

“ابو جعفر” غير الجميع، كان اكثر دبلوماسية، اجلسني إلى جانبه، وقدّم لي المتّة، وقال لي “للننظر إلى الموضوع بنظرة شاملة، نعم نحن طائفيون، وهم كذالك، لم نتقبّل بعضنا، في السابق كانت المشاكل وما زالت اليوم ولكن اليوم أخرجت الاحقاد إلى الخارج، لكلاً منا ميليشياته، و حكمه الذاتي، بات اليوم العلوي لا يستطيع التجول في التبانة وطرابلس، والسنّي لا يستطيع ان يزور الجبل، أصبحنا كونتونين”، تنهد وقال “مع الاسف هذه الحقيقة.. لا حوار ولا (بلّوط) يستطيع ان يغيّر الاحوال، فالامر بات في النفوس، والكلمة للسلاح” وعن سؤالي عن الحل اجاب: “كيف يكون هناك حل وهم متسلحون ويخافون من بعضهم والحقد بسيطر في الاجواء؟؟ الحل يراه البعض بالتقسيم وهنا بيت القصيد”.

في جولتي هذه في الجبل والتبانة، شعرت بالخطر الحقيقي على الكيان وعلينا، شعرت بالخطر الطائفي وحقده وسمومه، شعرت بالفيلم الامريكي الطويل المعنّون بالتقسيم، رأيت الاذان الصاغية له، والتي تتمايل معه كتمايل اوراق التوت في فصول الربيع، اصبح ابناء الجبل والتبانة ينظرون إلى الحل من بوابة التقسيم والفدرلة، وبات الحقد والطائفية والتطرف والحرب ولغة السلاح، هي الفاصل، وهي كلمة الحوار بين المتاقتلين، وبتنا نرى شبع الحرب الاهلية قادم، فأين العقلاء يا ترى؟؟

5 يونيو, 2012

اعلانات

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل