الحرب قادمة لكنها مؤجلة الى حين

14 يونيو, 2012 - 3:55 مساءً

بقلم الاستاذ نبيل المقدم | صحافي وكاتب سياسي

مايحصل في سورية منذ اندلاع احداث العنف في العام الماضي يمكن ادراجه في سياق رسم توازنات جديدة في المنطقة.

لها علاقة بالمسألة الفلسطينية ودور ايران الاقليمي ودخولها النادي النووي من باب الاستخدام السلمي.وبالتمدد التركي الطامح الى التعملق في المنطقة على حساب النظام في سورية.والعلاقات الايرانية العربية.كما ان العراق هو جزء اساسي من هذا المشهد وهو يؤثر على مجمل احداث المنطقة والعالم.

وفي هذا السياق تخوض ايران مواجهتان مع دولتين لهما علاقة اساسية بما يجري من احداث في سورية هما تركيا والولايات المتحدة الاميركية بكثير من العقل البارد والحنكة اولا صعيد الموقف من تركيا
يخضع الموقفان التركي والإيراني من الأزمة السورية لمبدأ التضاد الذي يعني منطقياً، التساوي في القوة والتعارض في الاتجاه، من دون أن ينفي ذلك رغبة ضمنية لدى الجانبين في إبقاء هذا المبدأ حصرياً في الحالة السورية، ومنع مطاولته العلاقات الثنائية والقضايا الأخرى التي تجمع بينهما .

في العلاقات الثنائية، ينطلق الجانبان من مقاربة عقلانيةثابتة، تقوم على تجاوز التوترات والمضي في مسار «طبيعي» يحفظ المصالح «القدرية» المشتركة، في ظل موانع مزمنة تحول دون الارتقاء بهذا المسار من حالته الطبيعية نحوما هو أكثر ايجابية، لكن من دون السماح لهذه الموانع بالتأثير على ثبات هذه العلاقات المحكومة بمحددات التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والدين والقومية.

وكماهما في العلاقات الثنائية، هما كذلك في الكثير من القضايا المشتركة الأخرى، إذ لااعتراضات تركية على مشاريع إيران النووية، لأن أنقرة تدرك أن هذه المشاريع تقف عند حدود البرنامج السلمي، وأن عليها أن تحذو يوماً حذو الإيرانيين في هذا المجال، أولاَ باعتبار ذلك من موجبات التحول الى قوة عظمى في الإقليم، وثانياَ تحت وطأة الحاجة الداخلية إلى الطاقة.

في المسالة الكردية الانفصالية، ورغم التفاوت الكبير بين نسختيها التركية (حزب العمال الكردستاني) والإيرانية (حزب الحياةالحرة)، يحاول الجانبان تحييد هذه المسألة عن دائرة التجاذب بينهما، ويفسح كل منهماالمجال للآخر في التعامل مع خصمه الكردي كيفما يشاء، انطلاقاً من وعي الخطورة المشتركة للنزعة الكردية الانفصالية عليهما. أما في القضية الفلسطينية فلا يسع طهران سوى التعامل بإيجابية مع تحول أنقره تجاه هذه القضية، رغم كل ما يقال من انهدف هذا التحول هو إزاحة إيران عن قضية العرب والمسلمين الأولى. طريقة التعامل هذه تسحب نفسها على قضايا أخرى تهم الجانبين، من قبيل آسيا الوسطى، أفغانستان، العراق،لبنان، مشكلة أرمينيا وأذربيجان…

وحدها الأزمة السورية أخرجت العلاقات الإيرانية – التركية عن طورها الرتيب وأوجدت حلبة صراع بينهما، مستترة ومكشوفة في آن، على زعامة الإقليم، في ظل سعي الطرفين إلى الفوز بالضربة القاضية وليس بالنقاط، وفي ظل التزامهما بأصول اللعبة وعدم تضاربهما من خارج الحلبة على قاعدة الشاطربشطارته.

تركيا، التي تريد التعملق إقليميا على أنقاض النظام السوري، تدرك اليوم أن مفاعيل بقاء هذا النظام تتجاوز الحد من تمددها الاقليمي الى مجاورة خصم يمتلك كل مبررات، وربما إمكانات، الانتقام. فيما إيران على يقين بأن إمساكها بناصية معظم الإقليم، خاصة بعد الانسحاب الأميركي من العراق، مرهون بقدرة نظام الأسد على الصمود. كل ذلك في ظل تكافؤ الفرص والأدوار أمام الجانبين في تحديد مسار الأزمة السورية، فعلى قدر ما تستطيع أنقرة إلحاق الضرر بسوريا تستطيع طهران دعمها والوقوف إلى جانبها. وعلى قدر ما تريد الأولى ذهاب الرئيس الأسد، ولو عن طريق التدخل العسكري الأطلسي، تتمسك الثانية بالدفاع عنه ولو كلفها ذلك حرباً إقليمية شاملة.

على ذلك، لا تعود الجبهة السورية المشرعة بين الأتراك والإيرانيين على مواجهة مفتوحة مجرد صراع بينهما على خلفية إسقاط هؤلاء لخصم ودعم أولئك لحليف، بل يتعدى ذلك إلى حرب نفوذ، على صعيد الإقليم برمته. هذا النفوذ الذي تريده طهرانلمواصلة العمل على إخراج الأميركي من المنطقة، استكمالاَ لما كانت قد بدأته في لعراق، وأيضاَ لمواصلة مشوار دعمها للقضية الفلسطينية من دون أن يكون في حساباتها استفزاز أنقرة أو إيجاد عداوات معها، فيما تريد أنقرة من هذا النفوذ دوراً إقليمياً يتناسب مع حجمها وتاريخها من دون أن تذهب بالضرورة إلى حد العداءلطهران.

اما لجهة الولايات المتحدة فانها تسعى للضغط على ايران من خلال المشهد السوري فهي بعد انسحاب قواتها من العراق تسعى الى الخروج من معادلة اللاحرب واللاسلام، التي ظلت تحكم علاقاتها بإيران، منذ قيام الثورة الإيرانية في العام 1979. ذلك أن الإبقاء على هذه المعادلة يعني، في الحسابات الأميركية الراهنة، تحييد تفوق واشنطن العسكري وإخراجه من خانة التوظيف السياسي الرامي إلى لجم نفوذ إيران الإقليمي. كما يعني، في الوقت نفسه، عدم قدرة الأميركي، في ظل تغييب الخيارالعسكري، على الحدّ من الدور الإيراني الآخذ بالتمدد في الإقليم على حساب حضورواشنطن ومصالحها.

كل هذا في وقت تبدو فيه المنطقة أمام حالة غير مسبوقة من الاحتقان والتوتير.ولكن هذا الاحتقان لايتجه في الوقت الحاضر باتجاه الحرب الفعلية بل باتجاه التسوية، التي تظل وفق الحسابات الأميركية، أقل سوءًا من الاتجاه الآخر. يدلّ على ذلك أن الإدارةالأميركية في ما لو أرادت فعلاً الوصول، في المرحلة الراهنة، إلى التصعيد العسكري،لكانت دفعت بسيناريو الاتهامات لايران بانتاج اسلحة نووية حتى النهاية وحولته من مجرد خطة إلى واقعة مشهودة.

فواشنطن تريد، في المرحلة الراهنة من الاحداث السورية ابتزاز طهران لاستدراجها إلى طاولة المفاوضات، وخلق فرصة جدية للتسوية انطلاقاً من قلق لأميركي على مصالحه المهددة في العراق، أو على الأقل سعياً لإيجاد بيئة ملائمة للتفاهم على حدود الاختلاف في المنطقة. اما ايران فهي ترى لنفسها مصلحة في الدخولفي مسار تفاوضي مع واشنطن، لكن على طريقتها ووفق أجندتهاالخاصة.

استعداد الطرفين للتفاوض لا يعني بالضرورة الانتهاء الى تفاهم على الملفات العالقة بينهما، فأميركا لا تريد سوى إبرام صفقة مع إيران بهدف التوصل الى اقتسام إدارة الملف العراقي، على غرار التفاهم الأميركي ـ السوري بشأن الملف اللبناني في أعقاب اتفاق الطائف.

أما إيران التي ترى نفسها اللاعب الأول على الساحةالعراقية، والتي لا ترى موجبات تدفعها الى مجاراة المطلب الأميركي، فهي تذهب الىطاولة المفاوضات بهدف إدخال الأميركي، مجدداً، في لعبة شراء الوقت وتقطيعه، والمراوغة دون ان تجعله يكسب منها في النهاية اي امتيازات يريدها، على نحو مافعلته في ملفها النووي، حيث لم تحل محادثات الإيرانيين مع الغرب، على مدى ثماني سنوات، دون تنفيذ إيران لكامل أجندتها النووية. طهران تأمل أيضاً أن يؤدي هذا التفاوض، إلى نزع فتيل التوتر وتبريد الأجواء مع المملكة السعودية.

في مثل الأزمة الراهنة بين طهران وواشنطن، سرعان ما يتلاشى الحديث عن صدقية أو زيف- الاتهامات الاميركية لطهران، ويبقى ماثلا للعيان الخطورة المرافقة لها والتداعيات المترتبة عنها. ومعترجيح التوقعات بانسداد الأفق التفاوضي بين الجانبين، سوف تجد الإدارة الأميركيةنفسها محشورة بين خيارين: التراجع أمام إيران والمواجهة المباشرة معها. وعندما يلمس الأميركي أن جهود طهران الإقليمية، لا تقتصر على إخراجه من العراق فحسب بل منالمنطقة برمتها، عندها، سيكون اقرب إلى خيار المواجهة، إلا إذا اختارت أميركاالذهاب خارج السياق والانكفاء عن الإقليم لصالح الاهتمام بمشاكلها الداخلية.على الأرجح أن الحرب القادمة.. قادمة، لكنها مؤجلة إلى حين.

14 يونيو, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل