موقع الحدث نيوز

هكذا سحق “حزب الله” مشروع “القاعدة” !

في بدايات عام ٢٠١٢، اجتاح المسلحون منطقة حمص وأريافها. لم يُستثنَ الزحف الذي اقترن اسمه بالجيش السوريّ الحرّ مناطق القصير المحاذية للبنان، والتي سيطر هؤلاء على القسمِ الأكبر منها دون قتال.

راقب حزب الله ذاكَ الاجتياح بقلقٍ، ورصد المسلحين الّذين أتوا تحت جناح “المنشقّين عن الجيش السوريّ” ليتبين انهم حفنة مسلحين منضوين في مجموعاتٍ نهلت من افكارٍ إسلاميّةٍ متشدّدة وإتخذت من عقيدة تنظيم القاعدة نهجاً لها، وهي لم تأتِ إلّا لقتالهِ. ثُبِتت لاحقاً الاتّهامات بالاقوال، إذ لم يُخفوا أنّهم هنا لقتالِ الحزب، ولم يَجِدُوا حَرجاً بمُنَاصبَةِ العداء له حتّى قبل دخوله إلى سوريا. وبصرف النظر عمّا قاموا به من ارتكابات، فهمت المقاومة ما يُحضر لها، وبدأت منذ ذلك التاريخ الاعداد لطرد هؤلاء من مكانٍ هو بالنسبةِ لها كالرئة.

حلَّ عام ٢٠١٣ حاملاً معه الأدلّة التي تُثبتُ أنّ مسلحيّ القصير الناشطين تحت اسم “كتيبة الفاروق” هُم نواةٌ لفرعِ القاعدة في حمص . كان “أبو مالك التلي” قد حضر إلى المنطقة بعد حين. تأكّد حضور التنظيم في الميدان بعد أن أقدم المدعو “أبو إسلام الشاميّ” (سوري) في أواخر كانون الثاني على قيادة شاحنةٍ مملوءة بالمتفجرات وثم تفجيرها في ثكنة “المشتل” التابعة للجيش السوريّ في القصير. أُثبِتَ وجود القاعدة إذاً.. كان ذلك الاقتحام بمثابةِ إعلان ولادة “جبهة النصرة” (ذراع القاعدة) في القصير رسميّاً في حمص بعد نشوئها قبل عامٍ تقريباً.

فتحت هذه العملية الأعين على شكلِ الدور المُعطَى للقاعدة عند الحدود مع لبنان، والترتيب الذي ستشهدهُ في حال بلوغ المسلحين مصادر القوّة التي يحتاجونها للانطلاقِ نحو استكمالِ الهدف الذي جاءُوا لأجل تحقيقه، وفي ظلِّ الغَلَيان الذي شهدته الحدود وسوريا عموماً، صدر القرار بالتطهير بالتعاون مع الجيش السوريّ، فبوشِ ت العمليّة في منتصف شهر أيّار من العام نفسه انطلاقاً من محورِ القصير – تلة النبي مندو.

أُطلِقَ على تلك العمليّة يومها “قائم واحد” وهو الاسم العسكريّ الذي اختاره حزب الله لها. بدأ التمدّد في ريف القصير تدريجياً على وقع الاشتباكات وحرب المُدن والفرار نتيجة فائض القوّة الذي ارسته المقاومة. دام ذلك حتّى الوصول إلى شهر حزيران حيث نجح حزب الله بالسيطرة على مدينة القصير وملحقاتها وما بعدها، فأعلن يومها الانتهاء من المرحلة الأولى للعمليّة.

لم يكن تنظيف “جيب القصير” مسك الختام للمشروع. حيث كانت المخاطر تكمن على الضفّتين المتقابلتين ، و يمكن في حال عدم استئصالها أن تُعيدَ الحرارة إلى جبهة القصير. تقرّر بعد شهر تقريباً أن يجري استكمال العمليّة والانتقال إلى المرحلة الثانية منها التي سمّيت “قائم اثنان”. حُدّدت منطقة حمص – ” تلكلخ ” كمنصّةِ عمليّاتٍ جاهزةٍ للتطهير. شكّلت هذه المنطقة عامل رفدٍ لـ”القاعدة” مع بُروزِ دور ما سمّي جماعة “جند الشام” التي كانت غالبية عناصرها من اللّبنانيّين ، وشكّلت هذه المنطقة خطّاً لوجستيّاً استفاد منه عناصر القاعدة في ربطِ عكّار بحمص والاستفادة من العناصر الجغرافيّة التي يوفّرها هذا الربط.

أدّت العمليّة قبل أن ينتهي الصيف إلى إخراج القاعدة من ” تلكلخ” ، ليكونَ حزب الله مع الجيش السوريّ قد حقّقا عزلاً بين عكّار وحمص وربط بين القصير وتلكلخ، وتالياً تأمين كيلومتراتٍ شاسعةٍ من الحدود بين لبنان وسوريا، والأهمّ دق مسمارٍ في نعشِ خُططِ التنظيم عامة.

لم يجد مسلحو القاعدة سوى منطقة القلمون للفرارِ إليها ونقل مشروعهم في مسعى لانقاذه. تحوّل عناصر “كتيبة الفاروق” من “جيشٍ حرٍّ” إلى جبهة النصرة” لتتحقّق بذلك نُبُوءة حزب الله ،استقرّ هؤلاء في قرى القلمون معلنين إمارةً إسلاميّةً بقيادة أبو مالك التلي (ابن بلدة التلّ) الذي كان قد شكّل مع الثنائي “أبو جندل الحمصيّ” و “أبو البراء الشاميّ” رمز قوّة القاعدة في هذا الجزء من سوريا متّخذاً من مدينة يبرود مقراً لعملياته.

كان حزب الله قد حضّر الخُطط وفَهِمَ ما تصبو إليه القاعدة، ورأى أنّ العمليات التي بدأت في القصير ومرّت بتلكلخ، ثمّ انتقال المسلحين إلى جغرافيا موجودة ضمن ذاتِ البقعة يرتبطُ بسياقٍ واحد، وعليه يجب الاستمرار في التطهير، فتقرّر عند بداية عام ٢٠١٥ مباشرة الجزء الثالث من العمليّة تحت اسم “أميرٍ واحد” لتُطلق رصاصاتها في ربيع عام ٢٠١٤ وتستهدف قرى القلمون التي دخلها حزب الله من قارة حتّى فليطة (بعد أن سبق له أن أسقط النبك ودير عطية أواخر ٢٠١٣) ضمن عمليّةٍ عسكريّةٍ مدروسة، اتّسمت بقتال تضاريس وجبال شدّت المهتمين العسكريّين.

بعد أقلّ من شهر، حقّق حزب الله سيطرةً كاملةً على قرى القلمون ليُسقِطَ إمارة التلي في يبرود وينقله فارّاً إلى الجرود معلناً منها “بدء الإعدادِ لمعركةِ تحرير القلمون” التي لم تبدأ حتّى تاريخه.

كان لا بدَّ للمقاومة من أن تستكمل مشروعها خاصةً بعد أن اتّخذت الجرود ممرّاً لإرسال السيّارات المُفخّخة وإطلاق الصواريخ. أتى ربيع عام ٢٠١٥ حاملاً معه الجزء الرابع الذي حمل اسم “أمير اثنان” وربط نطاق عمله بتحريرِ الجرود، فبلغت قوّات الرضوان المطلوب منها بعد اشهار سيف التنفيذ صيف ذاك العام، وطردت المسلحين من الجرود السوريّة (جرود عسال الورد حتّى قرن فليطة) الذي بقي جزء منه بيد “النصرة”، ونجحت بتنظيف جرود السلسلة الشرقيّة (من يونين حتّى النبي شيث).

فرَّ المسلحون إلى جرود عرسال التي بقيت خارج سياق العمليّة، فوضعتها المقاومة ضمن صلب أولوياتها. مرّ عام ٢٠١٦ هادئاً، إذ كانت المقاومة مشغولة بجبهاتٍ أخرى، لكنّها لم تنسَ استكمال الجزء الثاني من المرحلة الرابعة الذي نقلته إلى صيف عام ٢٠١٧.

حَلَّ تموز ٢٠١٧ حارّاً . عُدِّلَت الخُطط، ووُضِعَ في صلب الأولويات تطهير النقطة الأخيرة من الجرود. وكون “ثقافة المناطق الآمنة والمعاهدات” عُمِّمَت في المناطق السوريّة، تركت هامشاً لإخلاء المسلّحين الذين تعنّتوا، فأطلقت رصاصة الحملة الرابعة التي استمرّت من يوم الجمعة في ١٤ تموز حتّى الخميس في الـ٢٠ منه لتنتهي بطردهم إلى مربّعٍ مساحته ٥ كلم ليخرجوا منه تحت النار بصفقةٍ فرضتها المقاومة وأذاقت “النصرة” من كأسِ الذّل؛ ليُعلن خروجهم من منطقة الحدود مع لبنان عسكريّاً وبشكلٍ كامل.

انطلاقاً من هذه القراءة نُصبح أمام واقعيّة تحقيق حزب الله لخُطّتهِ الاستراتيجيّة تماماً كما رسمها بدءاً من عام ٢٠١٣ واقترنت بطرد المسلّحين، و تُرجِمَت في أربعِ مراحل استطاع خلالها استعادة السيطرة على مئاتِ الكيلومترات، في خطوةٍ أثبتت أنّ الحلول لا تتمُّ إلّا من فُوَّهات البنادق وَلَيْس عن خطاباتِ المنابر والقنواتِ الدبلوماسيّة، واظهرت مدى القدرات التي وصلت اليها والتي لا يمكن اغفال ترجمتها على مسطح مشابه يسمى “الجليل”.