إعادة إعمار سوريا: هل وصلنا إلى هذه المرحلة فعلاً؟

17 أغسطس, 2017 - 8:33 صباحًا الكاتب: أندريه كراتكي
إعادة إعمار سوريا: هل وصلنا إلى هذه المرحلة فعلاً؟

تنعقد آمال كبيرة على معرض دمشق الدولي التاسع والخمسين، الذي سيُفتتَح في دمشق، بدءاً من اليوم وحتى 26 من الشهر الجاري. ومن المتوقع أن يحضر معظم من يملك رؤيةً ما حول إعادة الإعمار، من داخل سوريا وخارجها.

وبناءً على التحضيرات المعلنة للمعرض وكيفية تقديمها، فإن من الملحّ أن نطرح السؤال: هل سيطلق المعرض فعلياً شرارة المشروع المتكامل والواسع لإعمار سوريا؟

هنالك العديد من التقديرات لمجمل الخسائر التي سببتها الحرب، وتتحدث في معظمها عن مبلغ تقريبي قدره 200 مليار دولار. إن الذكر المتكرر لهذا الرقم يعطي انطباعاً بأن تكاليف إعادة الإعمار يجب أن تصل إلى هذا الحد، أو ربما أكثر. إضافة إلى افتراض ساذج مسبق بأن هناك من سيدفع الفاتورة كاملة، ولمرة واحدة. ذلك ــ بالطبع ــ أسلوبٌ غير واقعي وغير صحيح لمقاربة الموضوع.

أولاً، وقبل أي شيء، لم يؤكد لنا أحد أن البلاد في حاجة لكل ذلك المبلغ لصيانتها وإدارتها، بما تقتضيه احتياجات مواطنيها بالكامل. ولم يتحدث أحد عن وجود خطّة ما للعودة إلى الوضع السابق للحرب تماماً. على الرغم من ذلك، ليس هنالك خطة واضحة للمضيّ قدماً بطريقة أخرى مختلفة كلّيّاً، من الممكن أن تتضمّن اعتماداً أقل على الآخرين والتركيز على السوريين أنفسهم.

ثانياً، من المهمّ معرفة المصدر الذي ستأتي منه الأموال (مع افتراض التمويل الخارجي). فبعض المنظمات العالمية التي أعلنت المبلغ المُدّعى رسميّاً بأنه يحدّد تكاليف الحرب، محسوبة على أطراف مرتبطة بنحو مباشر أو غير مباشر برأس المال العالمي. هل يمكن أن تتماثل مصالح هؤلاء ــ إذا وظفوا تلك الأموال في إعادة الإعمار ــ مع ما يريده السوريون حقاً؟

ثالثاً، إن المال وحده ــ في ما يخص مشاريع كهذه ــ لا يمكنه أن يقدّم حلولاً. ما يهمّ في الحقيقة هو كيفية التوزيع بطريقة متوازنة ومدروسة بحيث تُحفَّز الحركة الاقتصادية بأفضل طريقة ممكنة. إن ذلك مرتبط بعمليات يجب أن تجري بفعالية خلف عملية إعادة الإعمار المباشرة على الأرض. لذلك من الواجب إيجاد طرقٍ لتأمين تلك العمليات عبر عدة خطوات، بينها القضاء على إمكانية حدوث الفساد في حين حضور الأموال، وفتح قنوات فعالة لحركة الأموال عند الحاجة إليها، وتجهيز ضمانات للأموال ــ في حين حضورها ــ لتلاقي الأهداف المرجوة منها، بمساعدة السوريين حتى يساعدوا أنفسهم.

يمكن أحدهم القول إن القليل في بعض الأحيان يعني الكثير. لكن من الواضح أن هذا ليس صحيحاً، خصوصاً في بلدٍ يحتاج إلى عملية إعادة إعمار واسعة. لكن ــ بديهياً ــ ما الذي يمكن أن يكون في حاجة إليه في النهاية أكثر من المال؟ هذا سؤال بسيط ومنطقي. في رأينا، إن العنصر الأساسي يكمن في خلق بيئة شفّافة كلياً، بحيث تجري عملية إعادة الإعمار بسلاسة. وحتى يصبح بالإمكان وجود بيئة شفافة كتلك، يجب توافر قوانين عادلة وواضحة يُدار عبرها تدفق الأموال، ومن الواجب توافرها قبل عملية التدفق تلك. وإلّا، فبدلاً من منظومة مؤهلة للقيام بتوزيعٍ مناسب للإمدادات في جميع الحقول الاقتصادية، فمن المرجح أن نجد أنفسنا أمام قفزةٍ أو اثنتين، لن تستفيد منها سوى الحيتان الكبيرة، بينما يُسحق الباقون الصغار.

 

تماشياً مع كل ما سبق، هنالك عاملٌ مهمّ، هو عامل الزمن. بمعزل عن بقايا الصراع الحاضرة حتى الآن على الأرض السورية، من الواضح أن التوقعات بتحسّن الأوضاع لم تكن أفضل من الآن في الأوقات السابقة، ما يمكن اعتباره في الوضع الحالي عدّاً تنازلياً للبدء بإعادة الإعمار.

إن معرض دمشق الدولي بالتأكيد يمثّل تمهيداً لذلك. حتى في حال عدم الإعلان رسمياً لبرامج إعادة الإعمار الكبرى، والقوانين والتمويلات الواضحة المرافقة لها، فإن المعرض سيحافظ بالتأكيد على قيمته الرمزية الكبيرة. وهنالك بالتأكيد عدة أسباب لذلك:
أولاً، إن عملية إعادة الإعمار قد بدأت بالفعل. لكن التوقعات المفرطة التي تحجب الموضوع تجعل الجميع في حالة توقّع بأن تتدفق المليارات فوراً. على الرغم من ذلك، إن العديد من المشاريع المتوسطة والصغيرة الإنتاجية الناجحة يمكن احتسابها في سياق واعد: كما هي الحال بالنسبة إلى إطلاق نوعين جديدين من السيارات (سواء المصنّعة أو المجمّعة في سوريا)، ما يزيد من استخراج المصادر الطبيعية أو من ديناميكية قطاع البناء.

ثانياً، إن أي عملية إعادة إعمار يراد منها تشكيل اقتصاد متماسك يجب أن تعتمد أولاً على المجتمع في هذا البلد. من ينتظر قدوم شركات أجنبية كبيرة وشهيرة لتأتي وتوظّفه، فمن المرجح أن ينتظر إلى الأبد. لكن بعض السوريين قد علموا مسبقاً كيفية الاستفادة من قدراتهم الإنتاجية المحلّيّة. هذا ما نجده لحسن الحظ في عدة أماكن مثل مدينة السويداء وريفها ذَوَي الإنتاج المحلي المتميز، فيما تنتظرهم فرص كبيرة ليس فقط الحصاد أو الإنتاج، بل أيضاً إضافة قيمة إلى منتجاتهم وتسويقها يصنع فرقاً إضافياً.

ثالثاً، ظهور بعض النتائج يحتاج وقتاً ــ بمعزل عما إذا تحدثنا عن خطط لبناء المحال التجارية المدمرة، أو برامج للتطوير الزراعي أو خريطة طريق لتنظيم عودة جزء من اللاجئين، إضافةً إلى التنظيم والخطط المبينة بوضوح، والقوانين الاقتصادية المناسبة، ومن الممكن ألا تكون نتائج هذه الإجراءات واضحة دائماً. إن بداية عام 2018 هي أيضاً موضع جدل، خصوصاً في ظل توقعات بإصدار قوانين جديدة تلائم المرحلة.

من المحتمل أن يقول البعض هنا بأن سوريا لا تزال في انتظار المشروع الكبير ليقوم بجذب طليعة المستثمرين وغيرهم. ولكن، على الرغم من احتمال صحة افتراض كهذا، يجب ألا ننسى الأهم؛ وهو أن من الممكن ألا يكون البعد الكبير هنا خاصاً بالحجم، بل يرتبط أيضاً بالرؤية العامة التي تخص سوريا بالذات. لهذا السبب، إن مزيجاً بسيطاً من شفافية البيئة الاستثمارية، ووجود تسهيلات وتوضيحات للقوانين، بالإضافة إلى ضمانات حكومية فعليّة وغيرها من تحسينات بنيوية، من الممكن أن تكون أهم من أي شيء آخر. بشكل مماثل، يجب ألا ننسى أن الاقتصاد ليس عبارة عن منافسة بين الأقل والأكثر موهبة ومهارة كما يتنافس الطلاب في المدرسة، بل نظام دقيق من العلاقات، هدفه قبل كل شيء تقديم المساعدة للأفراد الأقل تنافسية ضمن شروطهم الاجتماعية.

بالتوازي مع ذلك، يكون تماسك الاقتصاد في المدى البعيد معدلاً لتماسك المجتمع بكليّته. ببساطة: كلما جرى تأمين فرص عمل أكبر للناس، وكلما أمّن الناس فرص عمل لأنفسهم ولغيرهم، ازداد حجم الموارد التي ستُصرَف. لذلك من أجل صالح الاقتصاد والمجتمع يمكن ــ بحدود معينة ــ قياس الأمر عبر قدرة أحدهم على أن ينتج لنفسه ما يحتاجه. ذلك أن ضعف القدرة الشرائية لدى الأفراد لها عواقب سيئة جداً.

يبدو أن القطاع الخاص مدركٌ للتحديات الحالية. النسيج، الاسمنت، صناعة السيارات والصناعات الغذائية، وغيرها جميعاً تخلق فرص عمل وتساعد في تعزيز الاقتصاد بقدر ما تسمح الظروف. القطاع الحكومي  الذي لا يزال يقوم بالجزء الخفي من مهماته بصيانة البنية التحتية (متضمنة المدارس والمشافي) ـوعبر سنين الصراع التي مرت عليه، لن يحتاج للكثير ليُسهم أيضاً بدوره.

المال والقوانين الداعمة، بالإضافة إلى إقلاع جديد للاقتصاد، كله سيبدأ بالعمل. لكن، يظل هناك بعدٌ أساسي لمجمل الموضوع الذي لا يجب علينا نسيانه، وهو البُعد الفكريّ. إن البناء على مستوى الفكر يظل دائماً مرتبطاً بمتطلبات العصر، إنما هي عملية على ضرورتها الملحّة، تبقى بحاجة إلى وقت أطول من أي مشروع آخر.

الكاتب: أندريه كراتكي
17 أغسطس, 2017

اعلانات

حدث الساعة

اعلان

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل