نبيه بري:غسان تويني… قد وجدتك فيك

17 يونيو, 2012 - 11:55 صباحًا

عندما اشتد صخب المواسم وقّع غسان تويني استاذ مدرسة الحرية افتتاحيته وغادرنا...
وعندما اشتدت أوجاع مواسم الموت توقف الاستاذ عن الكتابة وغرد صوته بحرية...
في عامه الاخير حين توقف عن الصوت وعن الحبر كان الاستاذ الاشد انتباهاً الى كل ما يجري عندنا ومن حولنا في كل الشرق.
كان شديد التأكد من اننا وقعنا في جهة الضباب وانه لا مكان في المنطقة لا نظام ولا معارضة معصوم عن الخطأ بل اننا كلنا نقع في الخطيئة.
اشار علينا بأنه في لحظة الجنون الراهنة “لا رأي لمن لا يطاع” وان فروض الطاعة تأخذ بيد العامة دروب الفوضى الى التهلكة أما الخاصة فانهم واقعون فيها متواطئون ومتشاركون في صناعتها.
بعد ذلك وقف الاستاذ على باب مثواه الاخير.
كأن لم يبق في قاع محبرته الا دمعة حبر اخيرة همّ ان يهرقها ليكتب وصيته، لكنه فضل ان يقول واختار ان يشافهنا لا ان يكتب على بقايا ارواح اوراقنا.
قال لنا قولا كريما: “انك ميت وانكم ميتون” لكن الغد يوم آخر فحسبكم الا تضيعوا في المرايا والا تتيهوا في الصحارى.
قال: انا لم اعد اكتب الاحاجي حتى لو علقت على الزنود او خبئت في الصدور لأنها لا ترد الشر.
وقال: انا لم اعد اسمع لأنني لا اصدق الذين يتناوبون على اسماعنا وهم يزعمون قراءة الكف والفناجين والعيون.
أنا أقول لأني ارى أبعد من عيون زرقاء اليمامة.
حدثني قال: الآن يختلط الحابل بالنابل، لكن الأمر ليس مغلفاً بالطلاسم. العبور الى غد يحتاج الى اتباع اثر الصوت الصارخ في البرية للوصول الى وطن.
تساءلت في سري:
هل تراني أسرفت في الأحلام؟
هل أسرف غسان تويني في الأمل؟
هل أسرفنا في الحب بينما كل ما حولنا يسرف في التباعد والحروب؟
قال: كانت لا تزال حروب صغيرة وكبيرة مستعرة في أنحاء جسدنا في ما بين الصوت وصداه، في ما بين الضوء وظله، في ما بين التعايش والتباغض، وفي ما بين الوحدة والانقسام.
قلت: الوطن، لبنان اصغر من أن يقسم، وأكبر من أن يفكك.
قال: نريد لبنان وطناً، ولا نريد “اسرائيليات”.
قال: العروبة ألا تكون هنالك حدود بين أوطان العرب لأنها ستكون حدوداً لسيادة القبائل وأن يكون هناك مواطن ومواطنية لا جهات وفئات طائفية ومذهبية.
همس في أذني بأعلى الصوت: أنا هو الآخر، ولكني أعترف بالآخرين.
قال: أنا معك… اختار الحوار بلا شروط والوفاق بلا شروط.
قال كل ذلك وغادرني الى ضريح الماء.
قبل أن يقف غسان تويني على باب مثواه الاخير كان يعيش في “نهاره” ويعبر بنا الليل دون أن يرفّ له جفن، ويكتب مواسم لربيع سيأتي، لا لربيع شبّه لنا أو صيف نضيع فيه اللبن.
كان الاستاذ يريد لنا ان نحقق تغييراً جامحاً يستند الى شرعة لحقوق الانسان العربي والى ديموقراطية تكون نهج حياة، والى مشاركة ملموسة للجميع وأولاً للمرأة والشباب في كل ما يصنع حياة مجتمعاتنا ودولنا.
على باب قوسين او أدنى من سلوك طريق النهايات، جاء الموت واضحاً وقوياً وعارياً دون خوف وكان غسان تويني قد قطع بعض الخطوات اليه وقد شبع من عمر حريته وانسانيته وقلمه كما شبع من شموس “نهاره”.
هي تزدهر شباباً وهو يزهر شيباً.
ثم ها أنذا أكتب فيك أيها الاستاذ ما أخذني حبرك اليه، ولا أزعم أنك لا تموت، وأنك في هذه اللحظة تمسك قلماً وتهم بأن تفتح باب النهار على افتتاحيتك.
انذا اكتب عنك فيك لعلك كما عودتني تلهمني وتغيثني وتبقي قلمك متأهباً في هذا الاشتباك بين من يريد لوطننا شراً وبيننا نحن الذين تعرفنا: بعضنا قابل، وبعضنا عصي على الاشتعال، بعضنا موصل الى الحب وبعضنا موصل الى الفتنة، بعضنا مزدهر بالنيات الحسنة وبعضنا بالسيئة ولكني احسب دائماً انك تقول لي خذ الطريق الاقصر الى لبنان، موحداً، وفي قلبه الجنوب.
الآن، استعيدك
كلمة للبنان على أعلى منبر دولي في الأمم المتحدة تحقق القرار 425 وتستدعي خروج المحتل الاسرائيلي من أرضنا دون قيد أو شرط ويكاد يتحقق ما أردت.
ها انا أبحث عنك فيك، لأنك وحدك تجرأت على الإمام الصدر وسألته في غيابه كلما اردت ضوءاً فتح باب الديجور: اينك يا سيدي؟
ها أنا أبحث عنك فيك لأنك دائماً انتبهت الى ان الوجع الشديد الذي يصيب اقطارنا هو وجع فلسطين والى أننا لن نشفى منه الا بتحقيق الاماني الوطنية للشعب الفلسطيني وان تحقيق تلك الاماني لا يتم بإرتكاب معصية الثورة والدولة تحت سقف بيت واحد، وقد صدقت فالثورة ضيعت خطاها في الدولة، والدولة باتت ترضى بإسم على غير مسمى.
ها اني وقد وجدتك فيك وقد حوّلت اغتيال جبران الى انتصار للنبض على الانفجار والقسم على الموت والتحدّي بأن نبقى مسلمين ومسيحيين موحدين دفاعاً عن لبنان العظيم.
“النهار”

17 يونيو, 2012

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل