ما ورائيات تغريدتي “السبهان”

13 سبتمبر, 2017 - 9:12 صباحًا الكاتب: عبد الله قمح المصدر: ليبانون ديبايت
ما ورائيات تغريدتي “السبهان”

لم تكن رياح تغريدة “ثامر السبهان” تفرغ بعد من الهبوب على المراسي اللّبنانيّة وتفتك عواصفها بالأشرعة المُمزّقة حتّى استتبعت بثانية تدعو العالم لـ”التعامل (مع حزب الله وإيران) مثلما يتعاملون مع داعش”، وقبل أن ينتهي المهتمّون من قراءة مقدار ما خلّفه “الإعصار” من ضررٍ فُتِحت أبواب التساؤل عن سرّ هذا الخطاب السعوديّ الرنّان بوقتٍ تتحضّر “الدشاديش” للذهاب إلى طهران واصطحاب “السوهان” معها.

لا جدل في أنّ التغريدتين أنعشتا بعض المراهنين ممن تذوّقوا مرارة السقطات السياسيّة المتوالية. وفيما شعر آخرون بالارتياب فضّل ثالثٌ أخذ قسطٍ من البحث عن أسباب هذا الخطاب مرتفع السقف والذي جاء بالتوازي مع الحماوة التي تشهدها طريق طهران – الرياض ومن خارج الترتيبات الإقليميّة السائدة.

يجادل البعض في ما ورائيات تغريدتي السبهان، فالمسألة اليوم ليست مسألة “مع من حزب الله ومن ضدّه” (كون الخارطة معروفة) بقدر ما هي عمليّة إلهاءٍ مقصودةٍ رُمِيَت خدمةً لها جمرات ساخنة على المسرح الداخليّ. وفي انتظار من سيلتقطها ثمة حقل طويل من الالهاء سينشطُ الساسة في حرثة ما سيشغلهم عن محاولات جرّ الدولة إلى دمشق قبل أن يجري تفرغ السعودية من ترتيباتها اللازمة في المنطقة بهدوءٍ دون أيّة “شوشرات”.

“رمي الجمرات” يقول مطّلعون إنّه لم يكن ليأتي لولا معاينة السعودية نذرَ انفتاحٍ لبنانيّ صوب دمشق ومحاولةً لجرّ حكومة الرئيس سعد الحريري إلى هناك وملاحظة أنّ الحريري وفي ظلّ تكبيله بتسوياتٍ واتّفاق ومصلحة بتدبير أمور حكومته، قد يسير مُرغماً إلى ما هو أبعد من تواصل بين وزراء الدولتين، فاحتاج الأمر إلى تدخّلٍ من التيّار السعوديّ المحافظ ليعيد ضبط قواعد اللّعبة وينتشل الحريري من الحفرة، علماً أنّ في تغريدات السبهان الكثير من السهام التي وُجِّهَت إلى الحريري!

إذاً في الماورئيّات “مسألة سورية” محض مقصودٌ بها حزب الله، فالتغريد يؤسّس إلى تشويشٍ داخليٍّ يحرف الأنظار عن استثمار “فائض القوّة” في المجرى السياسي، أمّا رفع النبرة فيقود إلى تهدئة المرتابين الذين ذهبوا إلى الخليج يتوسّلون السعودية “كبح جماح الحزب” ومنعه من استثمار عناصر القوّة التي جمعها في الميدان. يقود هذا المسار إلى فهم شيءٍ من الأدوار السعوديّة الجديدة في لبنان، إذ يبدو أنّ المملكة عازمة على “لخبطة” الأوضاع فيه إفساحاً في المجال أمام ترتيب ملفّات المنطقة، وهذا الأمر عهده اللّبنانيون مراراً، فيجب عند كل انتقالة سياسيّة ما في الإقليم أن يكونوا هم في عين العاصفة وداخل أزمة تبعدهم عن ترتيب أوراقهم الخاصة.

يقول مطلعون على الواقع السياسيّ الحالي، إنّ السعودية وفي ضوء المتغيّرات الدوليّة والإقليميّة، باتت متأكّدةً من أنّ الرئيس بشار الأسد باقٍ في السلطة ضمن تدبيرٍ سياسيٍّ جديد يجعل من المعارضة شريكةً في الحكم عبر تسويةٍ تُصاغ أحرفها برعايةٍ روسيةٍ وتصوّر أميركيّ ورضى تركي – إيراني وسيجري الإعلان عنها ريثما يختمر الميدان وتُسحب حماوته، وبالتالي على السعودية من الآن وحتّى ذلك التاريخ تحضير نفسها للتنازل وإيجاد المسوّغ القانونيّ الذي يضعها في دائرة حلفائها الآخرين.

وتبعاً للقراءة عينها، فإنّ السعودية التي ذهبت بعيداً في النزاع السوري، لن تجد أمر الارتضاء بحكم الدول سهلاً لذلك ستبحث عن المخرج المناسب الذي يقيها شرّ الانجرار إلى ما رسمه غيرها أوّلاً وتقبل به ثانياً وفق قراءةٍ ذاتيةٍ وأجندةٍ خاصّة.

ومن الآن وحتّى تشكّل حوافز وترتيبات تلك الانتقالة، لا بدّ للدول التي للسعودية فيها أدوار أن تبقى تدور بفلكها دون أن تذهب دونها إلى اجتراح أيّة حلول، ولبنان على رأس تلك الدول. وعليه، يجب إشغال اللّبنانيين بأيّامٍ صعبةٍ كي لا يتركوا لهم مجالاً للتفكير في الذهاب إلى العاصمة السورية قبل أن تتبلور الصورة لدى السعوديّة.

باختصار، لا تريد السعودية أن تدع لبنان يذهب إلى دمشق قبل أن ترتب هي أوضاعها وأوراقها مع النظام ثمّ تذهب إلى “عاصمة الأمويّين” بعد أن يتفرّغ الجميع من زياراتها. وبالنسبة إليها، فإنّ ترتيب علاقة جديدة بين دمشق وبيروت يشارك فيها حلفاؤها قبل أن تبرم الاتفاقات الدوليّة يعدّ بالنسبة إليها عملاً مرفوضاً وفيه إقرارٌ بنصر مشروع حزب الله (الذي تصفه السعودية بالإيراني) ما سيملي عليها هزيمةً تصل أصداؤها إلى فريقها في لبنان الذي سيجد نفسه مضّطراً إلى التنازل حفاظاً على مصالحه، ووفقاً لذلك، تعتبر السعودية في هذه الخطوة خسارة لها ما يرتّب عليها الذهاب إلى دمشق بأوراقِ قوّةٍ أقل.

وإذا ما كانت العودة “فرض واجب” فإنّ البحث السعوديّ اليوم هو في “الأسلوب الأفضل” للذهاب بأقلّ الخسائر من خلال ترتيب أوراق المرحلة القادمة. وإلى ذلك التاريخ ممنوعٌ على لبنان أن يتصرّف “بأُحاديّة” ومن خارج مشورة السعودية. إذاً الذهاب إلى دمشق دون الرياض ممنوع وهي رسالة جرى إيصالها إلى بيروت، حيث سيتكفّل فريقها المحلّي بعرقلة أي خطوة مماثلة، أمّا الشرح فيمكن إيجاده من خلال نوعية الخطاب الذي استخدم قُبيل زيارة الوزراء إلى دمشق الشهر الماضي.

وعليه فالنسخة الجديدة من المعركة الدائرة اليوم بين السعودية وحزب الله تحمل طابع التسابق على دمشق وزمان وموعد وتوقيت إعادة التطبيع من جديد وفق ستاتيكو آخر. أمّا في الخلفيّة فهي معركة سعودية – إيرانية لترجمة المكتسبات وتوزيع الحُصص قبل أن تضع الحرب أوزارها.

الأكيد أنّ ما بدأ بين الرياض وطهران يكشف جانباً من الشكل الذي ستكون عليه المرحلة القادمة والتي ستبرز خلالها أدوار التفاوض أكثر من النزاعات، والأكيد أنّ البلدين باتا على خطٍّ تفاوضيٍّ واحد لا بدّ أن تسخّر له الحاجات الميدانيّة بغية تعزيز الأوراق. من هنا، يقرأ متابعون أنّ لبنان قادم على مرحلةٍ ساخنة تسير بالتوازي مع حماوة التفاهمات التي يجري الإعداد لها، وسيكون خلالها معرّضاً لعواصف تقودها شخصيّات في الصفّ الثاني.

وعليه، يبقى أنّ تغريدات السبهان أتت في السياق الوارد أعلاه وبضوءٍ أخضرَ رسميٍّ سعودي لصالح ترتيبات المرحلة القادمة ما انعكست تضارباً في تصريحات الرئيس سعد الحريري الأخيرة بباريس والتي تسبّبت بإحراجٍ على مستوياتٍ عدّة فُتحت بعدها قنوات الاستفهام عن المقصود والمراد منها، و “هيّج” بعض المرتابين السياسيّين في محاولةٍ منهم لفهم ما يجري.

وتأتي التغريدات أيضاً في سياقِ التعتيم على ما يجري الإعداد له من تفاهماتٍ حول المرحلة المقبلة مع إيران، وهي بمثابة قنابل دخانيّة رُميَت في بيروت من الموكل الملفّ اللّبناني سعودياً. أمّا الثابت فيها فهو اتّضاح قدرته على التأثير في الداخل اللّبنانيّ على نحوٍ مخيف!

الكاتب: عبد الله قمح المصدر: ليبانون ديبايت
13 سبتمبر, 2017

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل