موقع الحدث نيوز

اللعبة الكبرى في الشرق الأوسط

لكي تتخيل تعقيد المشهد الحالي في الشرق الأوسط، تتبع الوجود العسكري للقوى المتنازعة على أراضي دوله، وعبر ذلك بإمكانك فهم اللعبة الكبرى الجارية فصولها في المنطقة، وانتشار القوات الأجنبية في الميدان يعكس أولويات الأطراف، قراءاتها الاستراتيجية والتاريخية، ومصالحها، وهذه بوسعها توفير القدرة على تنبؤ مسارات الصراع الدولي والإقليمي واستشراف احتمالات التسوية.

تتوضع على السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط قاعدتان روسيتان، من خلفهما يقف الأسطول السادس الأميركي، وداخل الأرض السورية تنتشر قوات روسية وإيرانية إلى جانب مقاتلين لمجموعات من العراق ولبنان، تساعد الجيش السوري في حربه ضد مناوئيه، ويقاتل الحلفاء إلى جانب قوات الجيش السوري أينما استدعى ذلك، وهم في اللحظة الراهنة يركزون عملياتهم في جنوب غرب حلب وريف دمشق ودير الزور والقنيطرة ودرعا، وفي المقابل تخطط روسيا لنشر مراقبين في «مناطق خفض التصعيد».
إضافة إلى القوات الشريكة للجيش السوري، هناك جنود أميركيون وفرنسيون وألمان وبريطانيون وأتراك يدعمون مجموعات مختلفة تتوزع شرق البلاد وغربها، والوجود الغربي في سورية هو من نتائج قمة هانوفر التي انعقدت في ربيع العام 2016 الماضي، واستضافتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بحضور رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، والرئيسين الأميركي باراك أوباما، والفرنسي فرنسوا هولاند، واتفق هؤلاء الزعماء على استبعاد أنقرة عن العمليات الكبرى للحرب ضد تنظيم داعش في كل من العراق وسورية، وأيضاً أرسوا قواعد نشر قوات برية غربية خاصة لمساعدة «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، التي تقودها مليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، في الحرب على داعش، وانتشر الجنود الألمان والأميركيون في منطقة منبج بريف حلب الشمالي، وجنود من فرنسا والولايات المتحدة في عين العرب بريف حلب الشمالي الشرقي، وأخيراً قوات بريطانية وأميركية في معسكر التنف أقصى شرقي سورية، وردت أنقرة على استبعادها عن قمة هانوفر، بنشر قوات عسكرية تركية في شمال حلب لدعم عملية «درع الفرات»، والتي جرى الاتفاق بشأنها خلال قمة سانت بطرسبرغ ما بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في مطالع شهر آب من العام الماضي.
انتقل بتركيزك قليلاً إلى العراق، ستجد وجوداً عسكرياً إيرانياً، غربياً وتركياً، في بلاد الرافدين، وإن كان بدرجات متفاوتة، فينتشر في الوسط العراقي، حيث نما داعش حتى غدا دويلة تهدد استقرار المنطقة والعالم، مستشارون عسكريون إيرانيون، بينما تعمل واشنطن على تثبيت قواعد ومراكز لقواتها إلى جانب نشرها قوات وقواعد في شمال العراق، أما الأتراك فهم موجودون في معسكر بعشيقة بإقليم كردستان العراق شمالاً، ويبدو أن أحداً الآن لا يريد الحديث عنهم.
في الأردن والخليج العربي، يحتل الوجود الغربي صدارة المشهد، على أراضي المملكة الهامشية وجود عسكري بريطاني وأميركي، بينما تحتضن قطر والإمارات قواعد عسكرية فرنسية وأميركية، وللأتراك وجود عسكري قوي على الأراضي القطرية، تعزز بعد الأزمة الخليجية، وفي الخليج العربي تنشر واشنطن بشكل دائم أسطولها الخامس، بينما يصل عديد جنودها في الخليج إلى أكثر من ثلاثين ألفاً وهو ذات العدد الذي تنشره واشنطن في جنوب شرق آسيا، وأخيراً، إسرائيل، التي وصفها نائب الرئيس الأميركي السابق جوزيف بايدن بأرخص حاملة طائرات في العالم.
من العرض السابق يتضح احتشاد القوى العسكرية المتنافسة في الهلال الخصيب، الذي يضم بشكل أساسي العراق وسورية ولبنان، الساحة التي سيتحدد عليها مصير اللعبة الكبرى، ويمكن تلخيص المشهد العسكري في الهلال الخصيب على النحو التالي: قوات غربية عمادها الوحدات الخاصة الأميركية، موجودة في غرب وشمال العراق، إضافة إلى المناطق الواقعة إلى شرق نهر الفرات بسورية وكذلك في الطبقة والتنف ومبنج، قوات تركية تنتشر في شريط ضيق يمتد بين مدينتي جرابلس إلى إعزاز في ريف حلب الشمالي، وفي بعض النقاط بمحافظة إدلب وخاصة المشرفة على منطقة عفرين، وفي سورية، انتشار لمستشارين إيرانيين في الجنوب والوسط، وصولاً إلى جنوب مدينة حلب، فضلاً عن وجود استشاري في بغداد ومحافظات الوسط العراقي، كما لإيران وحدات استشارية في لبنان تدعم حزب اللـه اللبناني.
هذه اللوحة من الانتشار العسكري تعكس أولويات الأطراف وقراءاتها التاريخية: فواشنطن تعمل على إعادة هيكلة الهلال الخصيب عبر تعظيم الوزن الكردي في معادلات دول المنطقة، أما موسكو فهي تريد إرساء تسوية سياسية للأزمة السورية وتأمين وصول دائم إلى المياه الدافئة، على حين أن تركيا تكرس مواردها من أجل ضبط تحركات حزب العمال الكردستاني وامتداداته في المنطقة، وحرمان الغرب من حلف في المنطقة يمكنهم من الاستغناء عن شبه الجزيرة الأناضولية، «المرساة الاستراتيجية للعالم الحر ضد الاتحاد السوفييتي سابقاً»، أما إيران فهدفها المعلن، منذ ثورتها في ثمانينيات القرن الماضي، يتمثل في إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في الخليج العربي والشرق الأوسط، وتكريس حلف عبر الهلال الخصيب يعمل بشكل متناسق، بما يقود إلى تعزيز كلمة طهران عبر المنطقة.
وكأن تناقض الأهداف ما بين القوى الفاعلة في الهلال الخصيب، لم يكن يكفي لاستمرار الصراع والتوتر، حتى تضيف السعودية المهجوسة بتوسع القوة الإيرانية وما له من انعكاسات على علاقات القوة بالخليج العربي، وإسرائيل القلقة على شبح هيمنتها بالمنطقة، مزيداً من الاشتعال إلى أوار الصراع ولتستمر فصول اللعبة الكبرى في التوالي.