موقع الحدث نيوز

كي لا يغرقَ باسيل في النهرِ أكثر

النّبرة العالية التي اعتمدها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله خلال لقاءه مع كوادر حزبيّة بقاعيّة وسرّب القليل منها إلى الاعلام، قد تكون طاولت ما هو أبعد من أهالي منطقة بعلبك – الهرمل سواءً المعترضين منهم أمّ غير المعترضين، ولمست امواجها أعتابَ الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء.

لا شك بأن السيد نصرالله تَرده دوماً أنباء “الفَجَع” الضارب لبعض الحلفاء، الذين لو خُيّر لهم لإلتهموا ما تشتهيهِ نفوسهم من مقاعدَ نيابيّة، وتمادوا بالسطو على مقدّرات غيرهم أكثر، فيفضّل الصمت والعضّ على الجرح وترك أمرَّ المعالجة للغرف المغلَقة على الكلام، ليس وهناً أو خوفاً بلّ حرصاً منهُ على الحّد الأدنى الباقي من ماء وجه البعض أو حفظ العلاقة معهم.

“الحمدلله أن الانتخابات كَشفت اقنعة يتخفّى خلفها ثُلّة ليست بقليلة” هذا هو لسان حال سياسي مخضرم مُتابع لمسار الامور الحاصلة، يقول ذلك بعد الذي شاهده من حُمّى انتخابيّة تَضرب على غير هدى، وتكاد تَنسف كلّ ما جرى التوصّل إليه بشق الأنفس وبعرق الجَبين وثبات الصابرين.

لا ريب إذا قُلنا أن ورقة التّفاهم المعقودة بين حزب الله والتيّار الوطني الحرّ هي المتضرّر الأبرز من الحُمّى الألمانيّة التي تَضرب رئيس التيّار الوزير جبران باسيل.

فعلى حد قول السياسي، لم يعد الأمر مُنحصر بانتخابات نيابيّة لباسيل حساباتهُ الخاصة بها، بلّ يصل الأمر حدّ الغَطرسة في انتقاء العِبارات الخطابيّة في المهرجانات أو اختيار مواقفَ سياسيّة مشكوكٌ في أمرها، هنا يُصبح الأمر بحسبهِ ونسبهَ مدعاة للتساؤل عن الأسباب الكامنة خلفَ هذه التّبدُّلات الفاقعة في مثل هذا التوقيت.

فقبلَ أيام، نُقِلَ عن باسيل قوله ردّاً على سؤال للنائب الأميركي أليوت أنخل حِيال علاقتهِ مع حزب الله، بأنها علاقة “قصيرة الأجل”.
ثم استُتبع ذلك بعدها بأيام مُستخدماً وصفَ “الميليشيات الحَديثة” في سياق عرضةِ لمعركة “تَحرير الدّولة” أمامَ أنصاره.

وكان قبلها قد إنتقدَ الحزب زاعماً أنه “يأخذ خيارات لا تخدم مصالح الدّولة اللبنانيّة في الموضوع الداخلي” بلّ ذهبَ حدّ الافصاح مرةً عن عدم وجود “مشكل أيديولوجي” مع إسرائيل التّي لها الحق بالوجود!
وفيما كان ولا يزال البحثُ جارياً عن القصد من خلف “قصير الأجل” و “الميليشيات الحَديثة” ومن يَقصد بها أو منّ ورائها، أتى ملف النزاع حول المتفرّغين في الجامعة اللبنانيّة ثمّ تَصريح روما حول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ليعطي ابعاداً أخرى للمشكل الذي يبدو أنه غير مسنود على خلافٍ انتخابي “ظرفي” فقط، ويخيل إلينا أن وزير خارجيتنا وكأنه يَسلك مساراً مختلفاً.

لا شك بأن للانتخابات النيابيّة أجواء خاصة فرضها القانون الحديث، وفرض معها قواعدَ جديدة تَحكم خارطة التحالفات بين حزب الله والتيّار الوطني الحرّ كما الحال بين سائر الافرقاء، وقضى القانون بأن يذهب كلّ فريق لمراعاة مصلحته دون صرف النظر عن مصلحة حليفه الذي تحكمهُ معه تفاهمات نعتقد أنها تتجاوز ثقافة الانتخابات ولا ترتبط بها لا من قريب ولا من بعيد، بالتالي يصبح حُكماً على كلّ طرف أن يحرص على ما تفاهم عليه.

نستطيع أن نجد هذا الرصانة عند قيادة حزب الله بشخص السيّد حسن نصرالله الذي أعطى أمره مرّة لا بل مرّات بمراعاة التيّار وتقديم صالحه وما يخدم وضعه حتى ولو كان ذلك مقابل تنازلات قدّمها ويقدّمها الحزب من أجل حفظ التفاهم. الوزير باسيل يعرف ذلك، كذلك القصر وسائر الخَدم والحَشم والمقرّبين.

وقد أبلغ نصرالله قرارهُ عالي الشأن إلى مختلف المصالح الخاصّة بحزبه وصولاً إلى الماكينات الانتخابيّة التي عليها تَطبيق “تكليف” السيّد بحرفيّته.. لكن ومع الأسف لم نجد ذات المستوى من الحرص عند “التيّار الاورانجي” الذي ردّ التحية عبر استمراره القفز في المجهول وتهديد مصالح حلفائه والسباحة في هواء المطالب المهولة واعتماد سياسة قضم حصص الأصدقاء وادارت الظهر لمصالحهم لا بلّ عدم سماع رأيهم واستغلال قوّتهم في مناطق وجودهم وضربها حيث هم اأفقر أو أقلّ قوة!
تراكم كلّ هذه التصرّفات التي يوصلها المعنيون في حزب الله عبر قنواتهم إلى صاحب الشأن الأعلى، كانت محطّ استياء من تَفضيل المصالح الآنيّة على المصالح العامة، وهو ما فَتَحَ نقاشات داخل قواعد التيّار البرتقالي، حيث باتَ يُسمع وللمرّة الأولى انتقادات توجّه إلى باسيل وادائه وسط خلافات بدأ يظهر أن لها أرضيّة مقبولة.

قد ينفي البعض ذلك وقد يذهب حد إتهامنا باختلاق القِصص ونسجِ الروايات، ما يهمنا هو تفسير الحالات الموجودة راهناً، في خروج البعض عن سرب قيادة باسيل واختيار الترشح للانتخابات من خارج شوره، فضلاً عن إتساع الهوّة مع عدد آخر من مرشحيه لا بل تضاربهم بتفسير سياسات التيّار حد الاختلاف.. مضافاً عليه غياب التوازن في الترشيحات وغياب مبدأ الإتفاق بين المرشّحين وتفضيل الذهاب نحو لوائح تسمى في عالم الانتخابات “إئتلافية” لا “تحالفيّة”، وهذا إن دلّ فيدل على إدارك التيّار أن زمن الفوز بمرشّحين حزبيين (تسونامي) قد أفلّ.

أمّا السرّ في تأخير بتّ الائتلافات واعلان اللوائح لغاية الساعة فأمرٌ تفسيرهُ متروك لأصحاب الشأن، لكن سؤالنا: “هل يرتبط ذلك فقط بانتقاء المرشحين”؟ يقول السياسي ذاته “لا! ثمة ما هو أكبر ويصل إلى ما يدور داخل صف التيّار الذي يعاني ما يعانيه مع مرشّحيه، خاصة في ظل النيّة الموجودة في تَفضيل المتمولين على المناضلين”.

يؤشر واقع التخبط الذي وقع به باسيل كرئيس للتيّار، على أمرٍ واحد، هو افتقاده للحكمة في ادارة اللعبَة ومعالجة الامور وتدوير الزوايا وفرض نمط الرأي الواحد الذي باتَ يسود داخل حزبٍ يُفترض أنه “ديمقراطي – عصري”، وهي المزايا التي كان ولا زال يتمتع بها الجنرال ميشال عون، وفرضها طوال سنين ادارته لملفات التيّار والتكتّل، وهو الذي لم يبرح عن طريق حفظ المبادئ والحفاظ عليها حتى خلال هبوب العواصف العاتية.

ما يتمنّاه خصوم التيّار أن يبقى على دوام التخبّط بل إلى مزيدٍ منه، وما يريده الحلفاء أن يعود باسيل إلى صوابه كي لا يُدمّر الهيكل على رأسه وبنسبة أقل على رأس من فيه، وأن لا يُفوّتَ القطار إلى حدٍ تُصبح عودتهُ إليه صعبة.

يبقى الجواب عندَ وزير الخارجية رئيس التيّار الوطني الحر، ويبقى لدى حزب الله يَقين بأن للمرجعيّة الرئاسيّة القدرة على ضبط خليفتها وتعقيله.. كي لا يّغرق في النهرِ أكثر.