“حرب الأخوة” على القومي

24 يوم ago - 10:23 صباحًا الكاتب: عبد الله قمح المصدر: ليبانون ديبايت
“حرب الأخوة” على القومي

لم يعد الحديث في الموسم الانتخابي الرّاهن يقتصر على إغلاق بيوت سياسيّة بات تقاعدها واجباً حتى يتسنّى الاصلاح في مكان، بل الحديث عن الجهة (أو الجهات) التي تقف خلف إقفال هذه البيوت.

أساساً المشكلة ليست في “التَسكير” بقدر ما ترتبط بهويّة الورَيث المُستفيد من هذا التَسكير، تصبح في مشكلة أكبر حينما تعلم أن “المُسكّر” لا يقل سوءً عن الذي كان يشغل هذا البيت، فالبرغم من كِثرت علّاته تجده أقلُ سوءً من البديل المنتظر الذي يستبطن ما بين أحشائه أهدافاً خَبيثة، إنغزاليّة طائفيّة مزعجة، تقوم على شبكة مصالح تجمع ما لا يمكن جمعه، تصلح لأن تكون أدوات تخريب لا إصلاح.

وفي مناسبة الحديث عن تَسكير البيوت، ثمّة من يلتمس أن “ثقافة التَسكير” قد تطال أحزاباً بوجهٍ أو بآخر، من خلال ملاحظة الإفراط بإستهدافها تحت ذريعة “القسمة الانتخابية” التي ادارتها الأحزاب الطائفيّة على مبدأ ” ما لي هو لي فقط، وما لكم هو لي ولكم”.

هو حال الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي يستشعر طغيان الحلفاء عليه ومدَّ أيدهم على صحنه، والاجحاف بحقه، ونكث العهود معه إضافةً لطعنه في الظهر، وهي أمور كشفتها لعبة حبك التحالفات الإنتخابيّة الأخيرة بأبشع صورها.

كان الحزب القومي قد أعلن عن مجموعة كاملة من المرشحين وزّعهم على مناطق تواجده مُمنّناً النفس في كسب تمثيل وازن وتشكيل كُتلة نيابيّة مريحة يشارك في حبكها بقوّته الذاتيّة، مستفيداً من عامل حضوره العابر للطوائف وقواعد النظام النسبي المعتمد للمرّة الاولى.
وكغيره من الأحزاب، فتّشَ “القومي” عن تحالفات تشبهه وتسهم في تعزيز موقعه، فإتجه صوبَ من يتقاسم معهم الخبز السياسي لعلمه المسبق أنهم لن يخذلوه، فإكتشف أنه أساء الظن، إذ كان أقرب المقربين لنا أشد الخصوم علينا” على ذمّة قيادي قومي.

لماذا وصل الحال بحزب أنطون سعادة إلى حدود الكفر بالحلفاء؟ ليس صعباً إيجاد الجواب في حال فتّشت في أوراق الإنتخابات المبعثرة، لتجد أن القومي كان عرضةً لما هو أشبه بـ”حرب الغاء” لم يمارسها تيّار بعينة وإن كان هذا التيّار أبرز المستفيدين منها، وكان في نفس الوقت يشعر بتقاتل الحلفاء عليه!
كيف يمكن تفسير تضارب المشاعر هذا، بين شعور بإلغاء وفي نفس الوقت شعور بالتقاتل عليه؟ صعوبة تفسيره كصعوبة تصديق أن من أشهر سيف العداء للرئيس ميشال عون طوال عقود، بات أبرز حلفاء تيّاره السياسي اليوم!

أوجه الإلغاء ماثلة في دائرة بيروت الثانية وبعلبك – الهرمل والكورة وعكّار حيث يراد للقومي أن يكون طائعاً لا مقرراً، وحرب التقاتل عليه يمكن العثور عليها في المتن الشمالي والشوف وعاليه، حيث النيّة بالإستفادة من قدرته التجييريّة.

أما الغالب فطغيان سياسية “التقشيط”، إذ وجد القومي نفسه أمام حالة من الدفاع عن مقاعد وعد بها بدل الهجوم لتسويق مشروع إنتخابي، بل أنه وجد نفسه محشوراً بين نيران تيار “إصلاحي” يريد سلبه ما أمكن من مقاعد، وحزب حليف يفرط في مسايرة شريكه على حساب حلفاء آخرين.

شعور القومي بفائض في إستهدافه نمى لديه بعد تيقنه من أن التيّار الوطني الحرّ يُلاحقه “على الدَعسة” من أجل سحب هذا المقعد منه أو ذاك.

ففي بيروت الثانية، إستنسَب البرتقالي المقعد الإنجيلي بعدما جرى الاتفاق بأن يؤول إلى القومي “بالتفاهم مع حزب الله وحركة أمل” تقول مصادر الروشة وبضمانة الرئيس نبيه بري وحماية حزب الله.
فتحاجح الروشة من أنها تنازلت عن مقعد بعلبك – الهرمل الذي تشغله منذ عام 1992 لقاء وعد بالمقعد الانجيلي في بيروت، فأين أصبحَ المقعد وأين أصبح الوعد؟

الامور تبدلت إذ إنقلب البرتقالي وأخذ يمارس سياسة “تخويف الحلفاء” من القوّات اللبنانيّة التي “ستجتاح المقاعد” وكأنه يخاير “يا أنا يا القوات”. وأمام “بكاء” الرابية وتخويفاتها لإكتساب مقعد هنا أو مقعد هناك، كانت الضاحية تراضيها من صحن غيرها مستسهلةً تزعيل حلفائها.

في المقابل وبدل أن يعوّض التيّار عن القومي الذي يفترض أنه حليفه في المتن الشمالي، أخذ يوجّه له الضربات في دائرة الشمال الثالثة، مفضلّاً تركيب تحالف هجين على شبك الأيدي مع أحزاب تحسب على صفه السياسي، بذريعة فقدان الكيمياء مع المردة، ما دفع الروشة للارتماء بأحضان بطرس حرب!

وفي عكار لم يكن الوضع أفضل، إذ “خربَطت” مطالب الرابية بتولّي زمام المقاعد المسيحيّة إمكانيّة جمع مكوّنات 8 آذار بلائحة واحدة، فتشّظت دون العثور على من يجمعها. أكثر المتضرّرين كان القومي مرة أخرى، إذ خسر مرشحاً وازناً عن المقعد الأرثودوكسي.

وفي المتن الشمالي كانت مفاضلة القومي تقوم على الاهتمام بالمقعد الكاثوليكي لا الأرثودوكسي أو الماروني كي يحيد نفسه عن تناحر المرشّحين عليهما، لكنه لم يقدر فنال الماروني مرشحاً النائب السابق غسان الأشقر.

لكن الصدمة كانت في ضم الرابية لمرشحة أخرى من نفس العائلة (الأشقر) تحسب تاريخياً على الحزب القومي، ما نظر إليه قوميون على أنه مضرّ بهم إذ ستأكل “كورين” من صحن الروشة، وسط مخاوف من تكرار سيناريو 2005 و 2009 حين حلّ المرشح القومي أول الخاسرين بإختراق مقعده بفضل عمليات التشطيب المخطّط لها.

بكورة التضييق كانت في دائرة الشوف – عاليه إذ وبعدما فشل القومي بجمع المير طلال أرسلان والوزير السابق وئام وهاب بلائحة واحدة، دخل التيّار على خط التفاوض مع خلدة، فكانت النتيجة أن خسرت الروشة مرشحاً من إثنين فإعتمد سمير عون مرشحاً عن المقعد الماروني في الشوف، واطيحَ بالمندوب السياسي للحزب القومي في الجبل، المرشح عن المقعد الدرزي في عاليه حسام العسراوي، الذي إختار التمرّد على القبول بخيار الأمر الواقع، بصرف النظر عن دوافع العسراوي الذي يرى إمكانية للظفر بمقعد إضافي.

في نهاية المطاف لقي العسراوي مصير المتمردين في صفوف الأحزاب، إذ تناهى لـ”ليبانون ديبايت” أن ثمة قرار بإحالته إلى “لجنة تحقيق حزبية” بسبب ما وصفت بـ”ممارسات لا تمت للنظام والعقيدة”.

ما نشده اليوم يمكن تفسيرها من خلال كتاب “طبائع الاستبداد” للشيخ عبد الرحمن الكواكبي، الذي نقتبس منه: “المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزاً من حديد ، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم”.

24 يوم ago

اعلانات

اعلانات

صفحة تويتر

خبر عاجل