اغتيال إرث عون

22 يوم ago - 9:53 صباحًا الكاتب: عبد الله قمح المصدر: ليبانون ديبايت
اغتيال إرث عون

يَلطم “العونيون” على رؤوسهم هذه الأيّام من شدّة ما نزل بهم من بلاء، هم غير مصدّقين أن تيّارهم تحوّل بسحرِ ساحر من منطق محاربة أصحاب المصالح إلى “منطق المصالح” نفسه، أكثر ما يزعجهم أنهم باتوا شهوداً على إغتيال المبادئ وأصحابها على ظهر من ناضل لترسيخها.. بلّ على تحوّل تيّارهم إلى نموذج شبيه بـ”ديكتاتوريّة بنسخة هجينة”.

الساحر الذي تُوجّه إليه أصابع الإتهام هو رئيس التيّار الوطنيّ الحرّ الوزير جبران باسيل، الذي أضحى خبيراً في إستخراج الأرانب من البرانيط ووضعها حيث يجب أن توضع، ثم يبرع في إقناع جمهوره أنها “أرانب سحريّة” تستطيع بـ”مسحة رَسول” أن تحوّل الخَشب إلى ذهب.

هذا الفعل حصل على مسرح “الفورم دو بيروت” إذ عرض كومبارس لا يجتمع ولو تدخل “الروح القدس وأهل الملائكة ومعشر الجن والإنس وجميع القدّيسين لجمعه” على حد قول عوني عتيق، تشكّل من لوحة “دونكيشوتيّه” ضمّت أصحاب المال، والقافزون من جيبٍ إلى جيب ومن حلفٍ إلى حلف، وباعة المبادئ في أسواق النخاسة، والمحرّضون الشهيرون بالطعن في الظهر وحديثي النعمة في السياسة، الذين صوّروا على أنهم دعاة تغيير وإصلاح بعد أن جرى تكفيرهم سابقاً، ما حدا بالبعض للقول أن معيار تركيب اللوائح أصبح “كم لديك في الجيبة من مال، كما ترفع حظوظك بالمقعد”.

إذاً بات الهدف هو السلطة والطريق إلى السلطة ليس مفروشاً بالورود ولا يقوم على الأخلاق بل على منطق المقايضة وإستعراض البضاعة على ظهر المناضلين، دونما حاجة إلى التفتيش عن أصل هذا الطريق إذا ما كان نظيفاً أم وسخاً أو إستثمار عناء في ما قدّم هذا المناضل أو ذاك على هذا الطريق.

صحَّ القول في هذا المقام، من أن التضحيات لا تقوم إلّا على أجساد المناضلين، وفي الطريق نحو السلطة يصبح هؤلاء جسوراً يعبر عليها “المصلَحجيين”، وليس غريباً أن يبطش هؤلاء برفاقهم بعد أن يصلون، وفي بعض الحالات ليس مستبعداً إغتيالهم لإخراجهم من المعادلات إذا ما إتضحَ أنّهم ينافسون على السلطة أو يقطعون الطريق عليها.

في حالة التيّار، فإن الأوصاف أعلاه حضرت لاسيما الإغتيال منها، فأتى على شكل سياسي لا جسدي، جرى عبره الإطاحة بكلّ المعارضات خاصة تلك الشهيرة “بالألسنة الطويلة”. رمي بالمناضلين إلى الخارج دون الالتفات إلى تضحياتهم، وإستحكَم الطارئون على مفاصل القوّة. من المعارضين من طرد ومنهم من جُمد ومنهم من إستدعيَ إلى التأديب فإم رضخَ وجلس جانباً أو ثار فأصبح خارجاً، ومنهم من تمرّد وأكثرهم من إستقال وخرج.

ثمة من يُبيح لقيادة التيّار أفعالها، وهذا البعض له مبرّراته في أن “البرتقالي” دخل لعبة السلطة، لذا ينسحب عليه ما ينسحب على الداخلين إلى هذه السلطة من وجوب تقديم فروض الطاعة لأربابها والأضاحي لألهتها، وفي مقدمة ذلك تعديل المبادئ وتغيير الخطابات والتحالفات السياسيّة .. فتتحوّل المبادئ لآلهة من تمر يجري أكلها عند أول فرصة.

هناك من يبرّر للوزير باسيل أفعاله، فهو رجل ورث حالة سياسية لا يريد أن يبقيها على ما هي عليه، بل يريد تطعيمها وفق ما ترتضيه مصلحته أو ما تشتهيه نفسه.

يجاهر هذا البعض من أن باسيل ورث حالة شعبيّة – سياسيّة نَمت مع تمرّد الجنرال ميشال عون إبان قيادته للجيش خلال حقبة الحرب وبعدها خلال منفاه الباريسي، حتى أن الحالة إرتبط إسمها بإسمه فنُوديَ أصحابها بـ”عونيون”.

ولغاية تاريخ إنتخاب ميشال عون رئيساً للجمهوريّة، كانت هذه الحالة تَلهج بإسمه وتقدّم مبادئها على راعيها ومنشأها حتى لاحت الرئاسة له، فقرّر التنازل عنها وعن زعامتها ثمّ تجييرها لمصلحة صهره الذي ورث تركةً ليست بالسهلة.

ورث باسيل العونيين بكلّ ما يحملونه، من كوادر وشخصيات وأفراد وأفكار قد لا تنسجم مع تطلّعات الوزير الذي عبثاً حاول تقطيرها لمصلحته منذ اليوم الأوّل لمعركة رئاسة التيّار، يوم آلت إليه بفعل تعيين لا إنتخاب.

وكأي نموذج دكتاتوري، حين سلم باستحالة “غسل الأدمغة” وشاهدَ تسيّد رأي الحرس القديم الذي رُبيَ على “مبادئ عون” وتحوّل أركانه إلى خصوم لباسيل، تسلّح بالنظم الداخليّة وقرّر أن يتغدّى بهم قبل أن يتعشّوا به، ليدخل التيّار في فترة تنظيف كانت نهايتها أن جرت الإطاحة بغالبيّة رموز وأسماء الحرس القديم من الذين أسّسوا وقادوا التيّأر بحججٍ شتى، بإستنساخ واضح لما فعلته الأحزاب العقائديّة بكواردها عند حلول لحظة تطورها.

الخارجون لا يجدون حرجاً في توجيه إصبع الإتهام لمن ولّاه عليهم، ولا يخفون حقيقة باتت ساطعة، من أن باسيل يريد إنشاء زعامة خالصة له وخاصة به لا تستمد شيء من زعامة ميشال عون إلا الشعار والتراكمات النضاليّة.

لا يريد أن يَرث حقبة ميشال عون بل يريد تكوين حقبته الخاصة، تماماً كأزلام السلطة الموجودين اليوم، الذين ركبوا صهوة أحزابهم، وبعد أن تمكنوا منها جيّروها لمصالحهم الفرديّة، فذهبت المبادئ والشخصيات المؤسّسة مع الريح، وطغت الوجوه السائدة بوصفها قيادات واحدة لا شريك لها.

المعيار يفسّر في كتاب “طبائع الاستبداد” للشيخ الكواكبي الذي يشرح أن “المستبدّين جبناء بل أكثر الناس جبناً، لأنّ خوفهم على عروشهم يدفعهم إلى الاستبداد والبطش بالآخرين خوفاً من أن يثوروا على هذه العروش.. المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً”..

الكلام المتداول في داخل غرف التيّار، وذلك الذي يجري تناقله عن السنة المبعَدين، يدل على أزمة تنشط حممها عند القاعدة، قد تبلغ سخونتها رأس الهرم، لذا يصبح إنفجارها مسألة وقت.

22 يوم ago

اعلانات

اعلانات

صفحة تويتر

خبر عاجل