موقع الحدث نيوز

مسرحيّة “التوبة”.. النسخة رقم ٢

كثر من الذين قرّروا ليلة الخميس – الجمعة أن تكون سهرتهم “بيتوتية” يتظلّلون فيها تحت سقوفٍ تتلاطمها أمطار الشتاء الذي عاد متأخراً، أن يكونوا في وارد تلاطم شاشاتهم مشهديات مستمدة من زمن أجهز عليه الجيش بل كانوا يفضلون مشاهدة حفلة غنائية لا مسرحية تنكّرية تأتيهم على شكل وثائقي يُحاكي يوميات المحكوم الفار من وجه العدالة فضل عبد الرحمن شمندور (فضل شاكر)، لو أن لديهم “حشرية” في معرفة ما يتضمنه “الظهور الأخير”.

تنكر المطرب التائب الذي بدل لقبه من مغنٍ إلى حاج بثوبٍ جديد على الشاشة محاولاً إظهاره بدّل القديم المتسخ بالاوصاف الطائفية – المذهبية لم ينطلِ على الحلقة الواسعة من “سهّيرت” تلك الليلة.


فجّل ما رسخ في ذهنهم، أن بطل الوثائقي أراد تركيب صورة نماطية تلقى إستحساناً لديهم، لكن وراء الأكمة ما ورائها وحقيقة اهدافه تخفي خلف المستور القائم وفق قاعدة مكيافيليه في “الغاية تبرّر الوسيلة”. وبما أن الغاية معروفة اختير من اجل الترويج لها وسيلة هي عبارة مؤسسة إعلامية وضعت نفسها في مكان لا تحسد عليه.

ثمة شعور يعتري متابعين، من أن ظهور فضل شاكر يوم أمس بالمظهر الذي حل فيه، لا يفهم منه سوى أنه يأتي من ضمن مشروع لـ”تبيض صورته” ونزع المشهدية البائدة التي حوّلته من مغنٍ مرهف الاحاسيس إلى وحش كاسر ينقض على فريسته بكل ما يحمله من عدوانيّة.

ويعتقدون أن تكرار عرض مثل هذه الحلقات في ما سيأتي من أيام، يصب في خانة إزالة الترسبات السابقة المحفورة في الذاكرة ليتسنى تقديم “شاكر” بشكل جديد يحمل شعار التوبة بنسختها الثانية طمعاً بعودته الى الحياة الطبيعية من بوابة توفير ارضية هذه العودة.

ولا تتوفر هذه العودة الا من بوابة تصحيح الخلل السابق، وتصحيح هذا الخلل يمكن ان يجري تطبيقه عبر جرعات من “الوثائقيات” المساعدة على اضاءة الجانب المراد اظهاره من شخصية فضل “المخدوع من أحمد الاسير المتهم بتحويله الى وحش!”.

وفي زمن الانتخابات، لا يمكن تبرأة سلوك بعض المروّجين لفكرة شمل الاسلاميين بقانون العفو العام العتيد من الوقوف خلف تأمين وتمكين الظروف لمثل هكذا مقابلة غابت عن الشاشة لأعوام، خاصة وان اسلوبها يدل على وجود نوايا تسويقية إنطلاقاً من أنها لم تحمل أي جديد بل تكرار لما تم تناقله سابقاً.

وعلى نفس الوزن، لا يفهم لماذا تُقدم قناة تلفزيونية على تظهير شخص متهم بارتكابات طائفية -إن لم نقل أكثر- بمظهر “الحمل الوديع”، ولو اننا نفهم طبيعة الـ”سكوب” لكن أحداً لم يفهم ما الذي اعطاه هذا السكوب من فوائد!

فعلى صعيد المؤسسة العسكرية التي تلقفت المشاهد بكثيرٍ من الامتعاض، بقي أن موقفها هو ذاته ولم يتبدّل..: “لا نقاش في قضية أصدر فيها القضاء حكماً.. ليسلم فضل شاكر نفسه وينفذ الحكم المبرم بحقه وكفى بالمؤمنين شرّ القتال”.

وعلى صعيد مواقع التواصل، الموقف هو نفسه، لم يستسيغ النشطاء “العودة المظفرة” لشاكر، فلم تمرّ دقائق من عرض “المسرحية” حتى ضجت مواقع التواصل باعادة نشر فيديوهات شاكر الحافلة بالعبارات الطائفية والكيل والوعيد للجيش ولشخصيات سياسية، وكانها جاءت لتذكر بأن من يعطى مساحة اعلامية في زمن الانتخابات هو كناية عن متورط مدان وليس بريء، ويكفي ان سيل التعليقات التي وردت كافية لتؤكد أن ذاكرة النشطاء لم يجرِ مسحها أو ترويضها لقبول أي عودة لشاكر مهما كانت شكلها.

ويبنما بقي السؤال عن الحكمة من إظهار فضل شاكر بمظهر “البريء” على إحدى الشاشات جائزاً وسط احاديث عن “عدم براءة الخطوة ابداً” دخل القضاء على خط الداء بغير دواء بل بتلكؤ لم يجد له مبرّر سوى أنه ساكت عن الحق.

فقبل بدء عرض الحلقة ليل الخميس – الجمعة، تقدمت والدة احد شهداء الجيش في عبرة بواسطة موكلها المحامي وديع عقل بعريضة امام قاضي الامور المستعجلة في بيروت لوقف ونشر وبث وتسويق وعرض الحلقة طالبةً “اتخاذ التدابير الآيلة الى وقف أعمال التعدي منعاً لتفاقم الضرر”.

المفاجأة كانت بتمنّع القاضي البت بالطلب وتقديم عريضة بحجة “التزامه بقرار مجلس القضاء الاعلى الداعي الى الاعتكاف” فسقطت المطالعة وعرضت الحلقة.

لكن يبدو ان القضاء يكيل بمكيالين في المسائل القانونيّة، فصبيحة يوم الخميس 29 من الجاري، اي يوم عرض الحلقة، تلقى “ليبانون ديبايت” اشعار تبليغ حكم مدني صدر عن قاضي الامور المستعجلة في زحلة بتاريخ 29 آذار 2018، تلزم الموقع سحب خبر عن صفحته الالكترونية تناول فيه “إرجاء محاكمة مرشح التيار الوطني الحر ميشال ضاهر إلى ما بعد الانتخابات” بدعوى ان الملف المشار اليه موضوع امام القضاء كمنازعة وان تناوله في الاعلام “يسيء الى سمعته ويشهر به ما قد ينعكس على القاعدة الانتخابية التي تنوي التصويت له”، تحت طائلة غرامة اكراهية مقدارها 50 مليون ل.ل.

يصبح اذاً أن القضاء مسخراً للسياسيين الذين يستطيعون ايقاظه حتى ولو كان يغفو في سباتٍ إعتكافيٍ عميق، بينما لا قدرة لملف يمس بالسلم الأهلي ويهدد فتحه ان تعود اثقال الخطب المذهبية، ان يجد له ممراً.