موقع الحدث نيوز

سفّاح مجلس النوّاب !

حينما جَلس أركان السلطة على طاولات المفاوضات الثنائيّة والثلاثيّة والرباعيّة والخماسيّة..الخ يتبادلون الخُبرات في تخييط مسلّة قانون الإنتخاب، وعدونا بمن وسلوى قانون فخَرجوا علينا بنموذج ملؤوا الدنيا ضجيجاً في إذعة أنه “يحقّق المساواة ويعطي لكل قوّة سياسيّة حجمها” لتكشف الأيّام أنه كناية عن “مِسخ قانون” لديه أنياب تَصلح لنهش الديمقراطيّة لا ترميمها.

قد يكون تعبير أحد السياسيين قاسياً في إستحضار توصيفه للقانون الجديد. قال: “جعلَ القانون من المواطنين هيئة غَنم واحد بعدما كانوا يؤخذون غَنماً بالمفرق” وتفسيره لتوصيفه نابع من نظرة الطبقة السياسيّة للمواطنين صاحبة الحق الحصري في إرساء منطِق اللائحة المغلقة، التي تقود الناخبين بالسَوط وتلزمهم الإقتراع لصالح مرشّحين قد لا يشتهونَهم.

هناك نقمة تسود معظم الدوائر، بسبب إلزام المقترِعين بلوائح تضمّ مرشّحين غير مرغوبٍ فيهم، وليس هناك من سبيلٍ لعدم منحهم أملاً في الدخول إلى مربّع المنافسة على مقعد نيابي، وهذه النقمة وإن تُعدّ محدودةً حالياً، لكن يتوقّع أن تتفجّر في المرحلة القادمة، خاصة إذا ما اهّل القانون الحالي لقيادة دورة إنتخابية ثانيّة.

وليس غريباً أن ينتقد السياسي القانون سيما وأنه يحمل بين بنوده أسباباً كثيرة للطعن به وفّرتها تركيبته الغريبة العجيبة التي لا تركب على منطق، وكشفت ورشة الترشيحات واعداد اللوائح عن شقٍ مخيفٍ منها، إذ اماطت اللثام عن ثغرات قاتلة لتؤسّس سريعاً لإسقطت القانون حتى قبل أن تسقط أوّل ورقة في صندوقة الإقتراع.

ومن بين هذه الكشوفات المريعة، أن القانون أوجد فكرةً جديدة قائمة على إزاحت المقوّمات التشريعيّة وإستبدالها بمفهوم رجال الأعمال، وهذا له إنعكاساته على الندوة البرلمانيّة وإنتاجيّتها، والتي سيكون من أبرز ضحاياها المشرّعين الذين اُطيحَ بهم بثلاثين من فضّة.

وعلى قدر العجيبة تأتي العجائب، فلقد جُمِعَ القانون على قاعدة غير ثابتة وفي غيابٍ واضح لوحدة المعيار، فحلّ بدلاً منها “منطق خود وعطيني” وهي حبكَة “رح تودي البلد بدهية” وستُسهم في إنتاج نظاماً برلمانيّاً مركّباً على شبكة مصالح، قائم على منطق البزنس و “تركيب الدكر على الدكر”.

وما يقود السياسي إلى قول كل ذلك هو إستشرافة نواة المجلس النيابي القادم، الذي لا يقوم على مبدأ إصلاحي تغييري ذو جدوى، بل وفق قاعدة المصالح المترابطة بين ثلّة الأحزاب الحاكمة التي تلاحمت فانتجت ليس محادل فقط بل جرّافات إنتخابيّة، أوّل جرائمها أنها أطاحت بوجوه التشريع والخبراء الضالعون في سنّ القوانين ومبتكري فنون الإعتراض، لصالح بوسطة ركّابها يجيدون رفع الأيدي فقط.
وليس خفياً أن القانون الجديد أفرغ مجموعة متناقضة من الأفكار كان من أبرز معالمها إنتاج تحالفات هجينة “الرب لا يجمعها” أهّلته ليكون متلقّياً دَسماً للسهام.

فمن جملة العِراضات التي قُدّمت على مسرح تسويق القانون أنه “يؤمّن عدالة التمثيل الشعبي وشموليته لشتّى الفئات”، ليتبيّن من طريقة تركيب اللوائح أنه يخفي نتائج معلّبة، إذ ظهر أنّه يؤمن تحصيل المرشح المختار لمقعده النيابي قبل الإقتراع له، وذلك مقابل حفنة دنانير! فمنذُ ما قبل فتح صناديق الإقتراع، ثَبُت بالوجه الشرعي أن أكثر من 100 نائب حجزوا مقاعدهم ولم يبقَ سوى قلّة تقاتل.
وللمفارقة، أن القانون الجديد أرسى مفهوم إغواء أصحاب الشهوات السياسيّة، فتمّت الإطاحة بمفهوم الثقافة السياسيّة ليحلّ مكانها منطق عرض المقاعد للبيع ثمّ شرائها بأكداس الأوراق الخضراء في مزادٍ علني مفتوح.

ومن المفارقات أيضاً، أن القانون أوجد صوتاً تفضيليّاً لتأمين النقلة النوعيّة، ليتضح أن هذا الصوت طَبَعَ إنقساماً حادّاً بين أعضاء اللائحة، ولسان حال كلّ مرشّح “أنا ومن بعدي الطوفان” وهو ما أفقد اللوائح تماسُكها وعرّضها لسيلٍ جارف من المخاطر التي قد تؤسّس لتلاشيها بعدّ حين وإندثار فكرة التلاحم البرلماني بين المكونات، إذ إتضح أن النواب سيصبحون على 128 لائحة ومنطق ونهج وفكرة!

وفي تقدير الموقف لدى السياسي، فإن القانون الجديد وبالإستناد على ما اِستُليدَ عن فترة تقديم الترشيحات وتركيب اللوائح والفترة الفاصلة عن يوم الاقتراع، أفرغ:
– تركيب تحالفات هجينة سمتها المصلحة السياسيّة
– غيّب البرامج الإنتخابيّة ذات الأبعاد الشعبيّة – الإنمائيّة لصالح برامج سياسيّة
– حلّف نزاعات وخلافات حزبيّة داخليّة بسبب الترشيحات، ما يؤسّس إلى نبات أجنحة منشقة عن أحزاب
– أدّى إلى إنقسام عائلي في بعض الأقضية بسبب خيارات الترشح الغائبة عن المعايير، في حين أنّنا لم نكن بعد قد إنتهينا من معالجة ذيول أزمات الإنتخابات البلديّة
– رفعَ المصلحة السياسيّة إلى مصافٍ عُليا على حساب مصلحة المواطن
– أسقط المبادئ القديمة وأعاد إنتاج أحلاف سياسيّة تقوم على المصلحة
– أعاد إدخال الدول الاقليميّة مجدّداً وبقوّة إلى مسرح الأحداث
– أسهمَ في رفع التجييش الطائفي، وزاد من نِسبة إستخدام الخطابات المذهبيّة
– سادَ منطق الخطب الحزبيّة التي تؤسّس لإنقسام حتى بين المتحالفين أنفسهم
– أسقطَ التفاهمات السياسيّة الواسعة بين أحزاب ممثّلة لطوائف وأطاحَ بمبدأ العنوان السياسي
في المحصلة، ثَبُتَ بالوجه الشرعي أن القانون وقبل تجربته إقتراعاً، لا تختلف إفرازاته عن تلك ج ى توقّعها في حال إعتُمد “القانون الأرثودوكسي” لا بلّ ثَبُتَ التمس أنه أسوأ من الارثودوكسي ذات نفسه. وفي حين لُصقت أسباب الحرب الطائفية بقانون عام 1960 البائد، يصلح القانون أبو الـ”15″ المسمى نسبياً أن يطلق عليه المسبّب في حرب حزبية “أهلية” قادمة ما يؤهّله لنيل لقب “سفّاح المجلس النيابي” عن جدارة.