موقع الحدث نيوز

لـ”أخذ الحيطة”.. رسالة سوريّة في بيروت !

ثمّة لَعب في النار تشهده المنطقة اليوم. لَعب من النوع القاتل، يُشبه إلى حدٍ ما لعبة الروليت الروسيّة، يظنّها البعض مراهنة على الطريقة الأميركيّة المعهودة، تنتهي بمرور الوقت، لكنهم يجهلون أنها تحمل أخطاراً جِسام قد تصل حد إجرء تغيير على مستوى خارطة النفوذ، أو هندسة على الأحجام والأشكال.

هناك أشخاص متهوّرون أدخلتهم الصدفة إلى صلب القرار، يتأرجحون في المواقف يومياً بشكلٍ جعلَ العالم يعيش على كفِ عِفريت، يرون أن السياسة تجارة و “بزنس” يمارسوها على قاعدة إعرض البضاعة ليبدأ البحث عن مشترٍ.

ترامب نموذجاً. هدّد بقصف سورية مخاطباً الروس. كان قبل ذلك يُهدّد كوريا الشماليّة بالـ”توماهوك”، وما أن وصلت الأمور إلى مشارف التنفيذ، حتى إنقلب وتراجع وبدأ يَعد للقاء الزعيم الكوري الشمالي! فهل إذاً رفع السقف مع سورية هو لتأمين أرضيّة للقاء الرئيس بشار الأسد؟!

تضج أوساط سياسيّة محليّة بهذه المقاربة، ولو أنها بعيدة المنال. وما المانع في التفكير بها طالما أن ترامب شهير بتقلّباته السريعة، وما الذي يمنعه من إعادة النظر في أولويّاته كون قاعدته هي الـ”بزنس”؟

على الأرض إزدَحمت المشهديّات المتناقضة. يوم أمس رُفع العلم السوري على سارية مبنى في مدينة دوما بالغوطة الشرقيّة إيذاناً بدخول الجيش إليها. في هذا الوقت كان وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس يُعلن أن وزارته “ما زالت تُقيّم المعلومات حول الهجوم الكيماوي” لكن الروس كانوا أسرع منه عندما أعلنت هيئة أركانهم قبل يوم أن “فحص عيّنات التُربة والشظايا في مكان الهجوم الكيماوي المزعوم لم يؤكّد وجود مواد سامة”.

حقيقتان واضحتان أعلاه. أن الأميركيون لا زالوا يبحثون عن دليل يُثبت وجهة نظرهم ليُسند عليها في تنفيذ الضربة، أما الروس فثبّتوا غياب الدليل بالوقائع.

وفي تأكيد الأولى أن ترامب لم يحظَ بفرصته بعد لإقناع الجيش تنفيذ الضربة رغم مرور أكثر من 48 ساعة على إعلان نيّته فيها، وعدد موازٍ من الساعات التي قضاها في عقد مشاورات عسكريّة وإستخباراتيّة وأمنيّة وأخرى دبلوماسيّة محاولاً إقناع أركانه بالتنفيذ. ولا يبدو أنه سيحصل على موافقة بدليل آخر تغريدة مهّد فيها لنزوله عن الشجرة بقوله: “لم أحدّد قط موعداً للهجوم الذي توعدتُ به سورية. قد يكون قريباً جداً أو بعيد”.

لبنانياً كان إنعدام الرؤية يسود غلاف الطبقة السياسيّة. فبعدَ إنقسامها بين النأي بالنفس وإتخاذ موقف، رَست على قرار حكومي بعدم السماح بقبول إستباحة الأجواء اللبنانيّة لضرب سورية، ليذهب فصل الخطاب لنصيب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله الذي سيطلّ اليوم بمهرجان إنتخابي في ضاحية بيروت الجنوبيّة متناولاً فيه التطورات.

وعلى ما يبدو فإن النيّة موجودة لإستخدام الأجواء المحليّة لعّدة عوامل بارزة أهمّها:
– خشية على أمن المقاتلات في حال دخلت الأجواء السوريّة من فوق الجولان
– خشية من إطلاق صواريخ من منصّات موجودة في الأراضي المحتلّة خشية إستهدافها
– عدم وجود نيّة بفتح إشتباك جوّي مع الروس بعدما إهتزَ التفاهم الجويّ معهم

لذا تصبح الأجواء اللبنانيّة أفضل ممر للصواريخ التي يعتقد أنها ستنطَلق من بوارج ترسو في المتوسط، أو عبر طائرات.

وفي ظلّ إرتفاع الحديث عن إمكانيّة تكرار إستخدام الأجواء اللبنانيّة، سُرّب من صالونات سياسيّة أن دمشق وضعت في بيروت، عبر قنوات مُحدّدة، رسالةً تنصح بوجوب “أخذ الحيطَة” والعمل على سدّ الثغرة الجويّة لكونها باتت مسربًا يُستخدم في الاعتداء على سورية. والإستناد في الإتهام يقوم على تنفيذ إسرائيل عدة ضربات بإستخدام الأجواء اللبنانيّة كان آخرها قصف مطار الـT4 بإطلاق صواريخ من فوق سلسلة جبال لبنان بإتجاه ريف حمص.

وثمة معلومات يجري تناولها على نطاقٍ ضيّق، من أن القيادة العسكريّة العاملة في سورية تبحث عن كيفيّة سد الثغرات في الأجواء اللبنانيّة، ما يوحي بأن هناك نيّة في تحرّك إحادي الجانب قد يتم تطبيقه في حال تقرّر تسديد ضربة عسكريّة.

لكن دمشق تعلم مسبقاً أن لا قدرة للبنان على تلبِيَة هذا الطلب، لذا تفسّر الرسالة على أنها نمط من أنماط الضغط الذي سيحث لبنان على اللجوء إلى الدول الغربيّة التي تدعي رفع مظلّة حماية فوقه.

وبعد الرسالة، سادَ ظنّ في بيروت بإمكان تحّول سماء لبنان إلى بقعَة إشتباك جوّي بين الدول المتنازعة في حال نفّذ ترامب تهديداته، إذ لا يعود هناك مانع في إستهداف الصواريخ أو الطائرات في الأجواء اللبنانيّة بحال جرى إستباحتها على نطاقٍ واسع.

وعليه، ليس هناك من ملاذٍ تلجأ إليه بيروت سوى الطلب من العواصم الغربيّة، على رأسها واشنطن وباريس، ممارسة نفوذها لوقف العربدة الاسرائيليّة في أجواءنا، ما قد يحقّق نبوءة دمشق في “تَسكير الأجواء” عبرَ دفع لبنان للضغط على هذه الدولة خشيةً من تعرّضه للاذى.

من هنا يفسّر السقف المرتفع الذي إستخدمه وزير الخارجيّة جبران باسيل في التعليق على التهديدات، رافضاً بشكلٍ قاطع الإعتداء على سورية أو إستخدام الأجواء اللبنانيّة كممرّ لأي أعمال حربيّة، واصفاً التهديدات التي يجري تسويقها بأنها “متهوّرة”.