موقع الحدث نيوز

“نبشُ قبور” وشراء هويّات وحجز “باسبورات”

لم يعد السطو يقتصر على الانتخابات النيابيّة بل على أراء الناس، على توجهّاتهم ومقدّراتهم، بحيث تمادى أقزام السياسة الطارئين عليها، من أصحاب الدنانير، الواضعين اثقالهم خدمةً لجني مقعد، في السطو والنصب وممارسة العاب الخفّة التي حوّلت المشهد الانتخابي برمّته إلى فيلم رعب، لا يخيف المشاهدين بل يُراد اخافتهم به.

صارَ من حق الناس لعن الطارئين على هذه الطبقة أكثر من أسلافهم، لا بل صارَ من حقّهم رجمُهم بعدما اوهموهم أن هذا القانون هو للتغيير، فأضحى أنكئ من الذي سبقه، بحيث اثبتت التجرُبة القصيرة أنه لا يحمل أي جذور تغييريّة بمقدار ما ثبّت الاوضاع الراهنة بل زادها سوءاً، وأسّسَ لتطويب الانتخابات لصالح جهات إشتهرت بلطم الصدر وضرب الرأس والبكاء بجزع على ضياع الاصلاحات، ليتّضح بعدَ حين أنها صاحبة الحق الحصري في الإمعان بتخريب القانون ونسف أي جذور إصلاحيّة فيه.

فقد أضحت عملة الابتزاز هي الوسيلة الرائجة لصرف الضغوطات الانتخابيّة، بحيث تنقّلت بين إبتزاز بالوظيفة أو بالدور أو بالحضور أو بالرزق أو بملف ما، بل وصل الابتزاز حد ابتكار فنون السرقة بُغية مصادرة الحق وسلبه.

وصلت السرقة إلى الجيوب التي اخذ يُبحث فيها عن قروشٍ تستخدم كأداة في التطويع، وليس هناك أفضل من وضع اليد على الاوراق الثبوتيّة، فتناهى إلى الجاني بأن يعمدَ إلى مصادرتها، مُبتدِعاً الفنون الشتّى، إن بالمال أو بالترويج لعملات زائفة -أي في الترهيب- وفق قاعدة “ميكافيليّة”: الغاية تبرّر الوسيلة.

ثمّة من بدأ يتكلّم عن عمليّة نصب مورست على المسجّلين في بلدان الاغتراب، الذين كفروا في البلاد ففروا منها، ليجدوا لاحقاً أن من فرّوا منهم يجلسون على أبواب منازلهم يشحذون تسجيلاً.

عمليّة النصب ليست كالمألوف، لا ترتبط بسرقة أموال بل بسرقة أوراق هي كل ما يملك اللبناني في المهجر لتثبيت هويّته.

يرتفع الصوت يوماً بعد آخر من أن جوازات السفر التي تداعى اللبنانيون لتجديدها في السّفارات لقاء مبلغ الـ1000ل.ل المزعوم، لم تسلّم إليهم حتّى اليوم رغم أن ما بقيَ من أيّام ليوم الاقتراع لا يتجاوز عدده أصابع اليدين.

هناك توجّس من هذه الظاهرة المُستجدّة، التوجس والخوف يتلخصان في اعتقاد من أن بعض ماكينات السلطة تريد ابتزازهم بجوازاتهم، التي قد لا تُسلّم إلا داخل قلم الاقتراع أو قبل الزمن الموعود بساعات، ربما لقاء إتفاق او وعد ما في اقتراع للائحة ما، ما يُشكّل نوعاً من أنواع الضغط. لا نتهم أسلاكاً دبلوماسيّة بالضلوع في ذلك، بل ماكينات إنتخابيّة اجتاحت بلدان المهجر، روجت لفكرة التجديد فذهبت الجوازات سداً.

ثمّة أحاديث عن أشخاص سجّلوا أنفسهم ثمّ استفاقوا على كونهم غير مسجّلين، بحيث لم ترد أسماؤهم في لوائح الشطب. وبعد أن بحثوا ودقّقوا وسألوا، كان التبرير المقدّم إليهم أن هناك خطأ في التسجيل.. فهل يُعقل أن يقع في هذا الخطأ أعداد في مشارق الأرض ومغاربها؟
ما يزيد من التخوّف من امكان استخدام الجوازات المجدّدة كمادة إبتزاز، هو في ظهور مواد إبتزاز مشابهة داخل البلاد، كمصادرة بطاقة الهويّة منعاً للاقتراع، إذ يرتفع الصوت في عدد من القرى بوجه مخاتير لم يسلّموا هويّات بدل عن ضائع أو مجدّدة إلى مواطنين، وحجّة المخاتير أن البطاقات لم تصدر بعد من وزارة الداخليّة رغم علمنا أن الوزارة تنشط في إصدارها سريعاً.
هناك ما هو أخطر، في ما سجلته “الجمعيّة اللبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الانتخابات” LADE من انتهاكات، بحيث يُسرّب منها أنها رصدت مخالفة فاضحة تمثّلت بشراء هويّات! نعم شراء هويّات، ليس من أجل استخدامها يوم الانتخاب، بل مصادرتها كي لا تُستَخدم في الاقتراع لواحدة من اللوائح المعادية لجهات في السلطة، أما المصادرة فتتم لقاء بدل مادي وصل إلى حدود الـ4000 دولار أميركي تدفع على دفعتين، قبل الانتخابات وبعدها لضمان عدم الاقتراع!

وهناك أيضاً ايقاظ للاموات من قبورهم كي يشاركوا في الاقتراع لصالح احدى الجهات، أذ يتم تناقل أحاديث حول استخدام هويّات أشخاص متوفين إتضح ورود اسمائهم في لوائح الشطب.. فمن الذي يلاحق هذه الظواهر ويمنعها أو أقلّه التحقيق في صحتها بعدما اصبحت على كل شفّة ولسان، واتضح أن المكلّفين بمتابعتها صمّوا آذانهم عنها؟!

وأمام كل هذه التجاوزات، نصبح في حيرة من أمرنا لمن نشتكي وعلى من نشتكي؟ من المخول في الشكوى إليه ومن الذي يبت بأمر الشكوى بعدما صار المشكو إليه يُشكى منه، ولا يُعيب على نفسه القول أن لا صلاحيات لديه.. تصبح عندئذٍ الشكوى لغير الله مذلّة!