موقع الحدث نيوز

كلام روسي “ثقيل” في بيروت !

صحَّ كلام الرئيس المصري في مقام وصف الصواريخ التي ضربت سورية. حقاً إنها بلاستيكيّة، إذ تساقطت في الجو قبل أن تهبط على الأرض، ولم تُحقّق أي هدف يُذكر سوى أنها خدمة حفظ ماء وجه بعض الدول.

في بيروت كان دوي الصواريخ أكبر من دويها في دمشق. إرتجت صالونات سياسيّة حتّى قبل أن تسقط، إهتزّت على وقع الغارة الاسرائيليّة على مطار التيفور في ريف حمص، والكلام الدبلوماسي الذي سُمع في بيروت بعد أن جرى إقحام الأجواء اللبنانيّة في تنفيذها.

كانت جميع المؤشرات قبل الضربة العسكريّة “الثلاثيّة” لدمشق تصب بإتجاه احتمال إستخدام هذه الأجواء في عبور الصواريخ المجنّحة نحو الاهداف السوريّة، نظراً لتحرّك القطع الاميركيّة في مياه المتوسّط، وسادَ ظن في إحتمال إنزلاق الضربة إلى مستوى مواجهة قد لا توفّر الأجواء اللبنانيّة، فكان أن طُلِبَت بيروت بضرورة “تسكير” أجوائها كي لا تكون ضالعة في أمر يفوق قدراتها على تحمّله.

ونظراً لعلم المطالبين بالتسكير بخلو قدراتها من أي ردع يحول دون هذا الاستخدام، كان التحذير يدفع صوب قيام بيروت بحراك دبلوماسي يصب في خانة تحييد أجوائها عن أي استثمار قد يحصل، نظراً لخطورة انجرار جهات إلى الرد في الأجواء اللبنانيّة.

في الساعات التي تلت الاعتداء الاسرائيلي وسبقت العدوان الثلاثي، تحوّلت بيروت إلى خلية نحل، بفعل حِراك بعض السفراء والدبلوماسيين أصحاب الشأن بإتجاه غُرف عدد من المرجعيّات السياسيّة، وهذه الأخيرة نشطت بدورها في التقاط إشارات حول الأوضاع الراهنة والموقف منها.

وكما كان لبنان مهتمّاً إلى هذا الحد بما يجري، كانت الصالونات الدبلوماسيّة على نفس القدر من الاهتمام، بحيث كان همّها عدم حشر لبنان في موضوع يفوق قدرته على التحمّل، فَهمّت عواصمها لوضع رسائل في بيروت قُصدَ منها تشكيل رُزمة ضغط على الغرب، كذلك اُبلغت بيروت مضامين رسائل بوجوب الوقوف بحزم ضد أي استباحة لاجوائها.

ولعلَّ أكثر الرسائل حساسيّة تلك التي وجّهت من موسكو ونُقلت على لسان دبلوماسيّتها في بيروت إلى عدد من المراجع اللبنانيّة، اذ ارتَبطت بضرورات اعلان الموقف إزاء امكان استخدام الأجواء اللبنانيّة في ضرب سورية لا بلّ التحرّك صوب منع ذلك بالوسائل المتوفّرة.

وليس حفيّاً أن موسكو بدت ممتعِضة من الاسلوب “الناعم” الذي اتُبع في الرّد على استخدام الأجواء اللبنانيّة لاغراض حربيّة معادية، وقد ابلغت من يهمّه الأمر في بيروت بمفردات امتعاضها، فكانت أن أتت الرسائل مضاعفة نسبةً إلى تخلّي بيروت عن وعودٍ سابقة قطعتها في مسألة إتفاقية كانت تتوخّى منها رفع درجة العلاقات بين الدولتين.

بالنسبة إلى موسكو، الأمر يتعدّى سورية، ويرتبط جوهرياً بعمقها الاستراتيجي المتصل بحضورها في هذا البلد. الكلّ يعلم أن الأجواء السوريّة موضوعة بعُهدة موسكو، وعليه تُصبح اجواء سورية مرتبطة بعمق حيوي إستراتيجي روسي يتصل بمظلّة الحماية الروسيّة، ويعتبر المس به مسّاً بروسيا وحضورها ودورها، لذا يتحتّم على روسيا حفظ هذه الأجواء وحمايتها، ومن شأن ذلك أن يصل إلى مستوى تنفيذ استهدافات في أجواء بعيدة عن السقف السوري بُغية حماية الوضعيّة العسكريّة السائدة.

من هنا ارادت روسيا معرفة الموقف اللبناني إزاء تعرّض اجوائها في سوريا للمسّ من قبل أي عدوان، وقد اُفهِمَ لبنان مغبّة الوقوف متفرّجاً أمام انتهاك أجوائه، لذا طُلبَ بإعلان موقف صريح من ذلك، لا بل تنشيط دبلوماسيّته تجاه العواصم الغربيّة المدّعية حمايته ونقل الرسائل الموضوعة في بيروت إليها.

وكانت الرسائل الروسيّة واضحة، في أن استخدام الأجواء اللبنانيّة في الضربة أو أي عمليّة عسكريّة متوقّعة، يُعتبر من حيث الوضع الذي هو عليه، إشتراكاً لبنانيّاً في العدوان على مواقع روسيّة وايرانيّة وسوريّة، لذا يتحتّم على لبنان إتخاذ موقف واضح.

ونظراً لخطورة الوضع، لم يكن للمراجع التي سؤلت سوى القدرة على الاجابة عن سؤال بسؤال آخر، يتعلق بالخيارات المتوفّرة لديها نظراً لعدم امتلاك منظومات ردع.. وقبل أن تُقترح عليها الدروب التي يفترض سلكها، كان الاستفسار عن مصير إتفاقية التعاون بين لبنان وروسيا والتي جرى التوصّل إليها خلال زيارة الرئيس سعد الحريري الأخيرة إلى موسكو.

من السؤال يمكن الوصول إلى صلب الموضوع، حيث تكمُن الاشارة في أن إتفاقيّة التعاون التي كان متوقّع أن يجري التصديق عليها في مجلس الوزراء قبل مُدّة وجيزة، وتفويض وزير الدفاع يعقوب الصرّاف توقيعها مع الجانب الروسي خلال فعاليات مؤتمر الأمن الدولي السابع الذي عقد في موسكو مؤخراً، جُمدت بقرار سياسي محلّي اُحادي مصدره أعلى الهرم في رئاسة مجلس الوزراء، علماً أن كان لها القدرة على توفير حماية جويّة، بصرف النظر عن احتمال نصب أنظمة حماية في لبنان من عدمه، بل كانت بالحد الأدنى ستُدخِل الأجواء اللبنانيّة في عمق مظلّة الحماية الروسيّة.

وبالتالي، يصبح صعباً على إسرائيل العربدة كما تشاء في أجواء لبنان أو إستخدامها كمنطلقات في تنفيذ ضربات داخل العمق السوري، مما سيخفّف من إحراج بيروت أمام جيرانها.

وفي السؤال حول مصير الاتفاقيّة، نقد روسي مبطّن وصلَ حد الغضب من تفضيل بعض الساسة اللبنانيين الابقاء على الاولويّة الاميركيّة التي لا توفّر حماية مقابل القدرات الروسيّة التي لها القدرة على توفير هذه الحماية.