موقع الحدث نيوز

بن سلمان يتغطى بالحريري

عبدالله قمح

كمّ مرة يجب على السعودية أن تهينُ لبنان؟ مرّة تهنه من خلالِ إقدام وكيل سياساتها اللبنانية الساّبق ثامر السبهان على تجاهلِ زيارة قصر بعبدا في مناسبتين. مرّة تتجاوز رئيس الجمهورية ميشال عون في توجيهِ دعوة رسمية وتمنحُ حصريتها لرئيس مجلس الوزراء. مرة تبادر الى احتجازِ رئيس حكومة لبنان وتقومُ بإهانته وصفعه. مرّة تستدعي رئيس الوزراء وتجعلُ منه دمية لتغطية نكات ولي العهد محمد بن سلمان “السمجة” حولَ الإتهامات المُساقة لمملكته.. إستحقار لم تبلغه حدود!

يعيشُ الرّئيس المُكلّف سعد الحريري متلازمة ستوكهولم بعدما أوقعَ القدر المخطوف في حبِ خاطفه! يتصرّف الرّئيس الحريري على هذا الأساس دون أن يهتم لمشاعر أكثر من نصف الشّعب اللبناني الذين شعروا بالإهانة مدة ١٩ يوماً قضاها الشيخ سعد يُصفع ويهان ويبوّخ في فندقِ الريتز كارلتون. للمصادفة، أن كرنفال الحريري الفولكلوري جاء في نفسِ الفندق وعلى مسافةِ أيامٍ من إطفاءِ الشّمعة الأولى لازمته.

فجأة جلسَ ولي العهد محمد بن سلمان يحكُ رأسه، وعلى طريقةٍ “وجدتها”، تذكر أن هناك رئيس وزراء في لبنان اسمه سعد الحريري. ربما نسي هو أو نسي الحريري نفسه كم مرة أقدم بن سلمان على إهانتهِ وتجاهلَ وجوده. هذه المرة نفّذ نفس الطريقة التي طُبقت في ٤ تشرين الثاني ٢٠١٧ لكن ضمن قالب ألطف. أقدمَ على استدعاءِ “الشيخ سعد” لحضور فعاليات “مُبادرة مستقبل الاستثمار” بصفته رئيساً لوزراء لبنان وليسَ أي صفة أخرى، علماً أن الأصول تقتضي في مثلِ هكذا مقامات أن تجري دعوة لبنان عبر مراسلة خطيّة رسمية يحملها موفد إلى رئيس الجمهورية الذي بدوره يقبلها ويكُلّف من يراهُ مناسباً تمثيل لبنان. هذه أقل الأصول البروتوكولية التي تحكمُ العلاقات بين الدول.

علاوةً على تجاهل الحريري هذه الأصول وتقبّله تلقي الدّعوة عبر الهاتف، وتعمّد السعودية إهانة رأس الدولة مجدداً، توجّه إلى الرياض تركاً الحكومة وكل شيء خلفه وجالسَ خاطفه على طاولةِ “نقاش” على هامشِ المبادرة، إلى جانب ولي العهد البحريني وحاكم إمارة دبي اللذان إشتركا مع السعودية ابان محنة الرئيس الحريري وعملا على تفتيتِ ذرائع عملية الإحتجاز.

المُهم، إحتجز بن سلمان مجدداً الحريري “بكل حرية”، وأجلسه إلى جانبه، بالتزامن مع حدثين لا يمكنُ العبور عنهما أبداً. الأول تأكيد ضلوع السعودية في مخططِ قتل الكاتب جمال خاشقجي وانكشاف تصرّفها أمام الرأي العام العالمي، والثّاني تسريبات وكالة “رويترز” التي فصلت ما حدثَ مع رئيس الوزراء اللبناني خلالَ احتجازه، متعمدةً الربط بين الحدثين، خاشقجي والحريري.

كان لا بُد لولي العهد أن يستخدمُ الحريري مرّة أخرى، كان الهدف هذه المرّة تبييض صفحته أمامَ الإعلام الغربي قبل العربي، والقول لهم أن “هذا الذي تتهمونا بخطفه جالسٌ معنا بإرادته، مصفقاً موزعاً إبتسامات. فعن أي خطف تتحدثون؟!”. تصرُّف سرمدي تراجيدي دونكيشوتي كوميدي، سمّوه ما شئتم!

يستطيعُ الحريري أن يُمثل الدور الموكّل إليه بإتقان، والتّصرف على أساسِ أنه لم يكن مخطوفاً وأنه جالس اليوم بكامل إرادته. يستطيعُ بن سلمان إستغباء الحاضرين الذين انفجروا ضاحكين يصفقّون بحرارة عند سماعهم عبارة: “الرّئيس سعد جالس يومين في السعودية، فأرجو ما تطلع إشاعات أنه مخطوف”، لكنه لا يستطيع، لا هو ولا الرّئيس الحريري أن يستغبونا. لا يستطيعُ ولي العهد طَمس حقيقة ساطعة أنه لم يكن ليستضيف الرّئيس الحريري اليوم لولا حاجته المُلحة إليه!

سمحَ الرّئيس الحريري مع الأسف أن يجعلُ من نفسهِ بيدقاً وظِّفَ لتأمين عبور آمن لابن سلمان من أمامِ الإعلام الغربي. هو حرٌ في أن يحوّلُ نفسه إلى دمية سياسيّة يتلاعبُ بها السعوديون كما شاءوا. هو حرّ أن يسلفهم خدمات على حسابِ صورته ومصداقيته، لكن عليه أن لا يدفعنا لسرد تفاصيل أخرى أشد وطأة عن الفترة ما بين ٤ تشرين الثاني ٢١ منه، لأن ما سيأتي “عيب أن يُنشر!”

نذكرُ أن الرّئيس المُكلّف سعى في مناسبتين سابقاً أن يؤمن لنفسه موعداً مع ولي العهد. في المرّةِ الأولى تحاجج السعوديون بضيق جدول الأعمال، وفي المرة الثاّنية قالوا أن ابن سلمان يتواجدُ خلال العيد في جدّة وليس الرياض التي حضرَ إليها الحريري. اليوم انقلبت الآية. بات أبن سلمان يحتاج الحريري، وفي المقدار نفسه يحتاجهُ الحريري إليه. يحتاجهُ ولي العهد الى تبيض صفحته على ضهر ضحيّته بعد ما طاله في الإعلامِ من تفاصيل حولَ عملية الإحتجاز الذي أقرّ رئيس جمهورية فرنسا ايمانويل ماكرون بحدوثها ولم تكُن إشاعة!

المصدر الحدث نيوز عبدالله قمح