ماريو بالوتيللي.. الموهبة الخام

1 ديسمبر, 2011 - 10:55 مساءً
ماريو بالوتيللي.. الموهبة الخام

أن يصبح المرء مشهوراً, هو أمر عادي, حتى أنه أصبح امراً يتحقق بين ليلة وضحاها. لكن أن يكون متميزاً, هنا تكمن القضية. ففي هذه الأيام, قد يكفي لأي كان أن يرتكب جريمة حتى يتصدر اسمه الصحف والمجلات, لكن لتكون متميزاً, فهو أمر آخر.

يكفي أن تجعل الجماهير تؤلف لك أطول نشيد في تاريخ كرة القدم, حتى تكون متميزأً, ويكفي أن تجعل أكثر المدربين حنكةً وذكاءً في العالم القول “هو خارج إطار السيطرة”, حتى تكون متميزاً, ربما يكفي أن تكون ماريو بالوتيللي, حتى تكون متميزاً.

إذ لم يكن ليخطر في أذهاننا يوماً, نحن متتبعي كرة القدم وعشاقها, أننا قد نتعرف أو نشهد على شخصية مثيرة للجدل أكثر من الفرنسي إيريك كانتونا, لاعب مانشستر يونايتد السابق, بل وأكثر من ذلك شخصية تفوقه جنون وغرابة. كانتونا الذي اشتهر كواحد من أكثر الشخصيات المشاغبة في تاريخ كرة القدم, والذي لا  زال البعض يذكر معظم أفعاله وتصريحاته, أصبح يعتبر الآن “مظلوماً” عندما يقارن مع ماريو بالوتيللي.

هذا ليس رأياً شخصياً, إذ قد تتفاوت الآراء ووجهات النظر حول أسلوب بالوتيللي وفنياته, لكن لا يختلف اثنان على غرابة أطواره وجنونه.

نشأته

قد يكون لنشأة ماريو وسيرة حياته الأثر غير المباشر على سلوكه, أو ربما المباشر! فسؤال ماريو الطفل لأستاذه في إحدى المرات “هل قلبي أحمر أيضاً مثل باقي الأطفال”؟ قد يسلط الضوء على النشأة القاسية لهذا الفتى “الأسود” وسط مجتمع عنصري.

ماريو بارواه هو ابن مهاجرين غانيين, ولد في مدينة باليرمو, في جزيرة صقلية عام 1990. ومنذ الولادة تبين إصابته بمرض معوي خطير, مما اضطر والده على الانتقال بالعائلة إلى مدينة بريشيا الصناعية, ليتمكن من إيجاد فرص أكبر للعمل ليتمكن من توفير معيشة جيدة لأولاده الأربعة. لكن, وبعد إجراء عدد من العمليات الجراحية لماريو, أصبحت ظروف العيش أصعب, مما جعل العائلة تلجأ لمراكز الخدمات الاجتماعية.


قبل أن ينهي عامه الثالث, أوكل إلى عائلة إيطالية رعاية ماريو لمدة سنة. لكنه بقي مع هذه العائلة حتى اليوم, ويعتبر ماريو أن فرانشسكو وسيلفيا بالوتيللي هما والداه الحقيقيان, وغير اسم عائلته تيمناً بعائلته الجديدة, على الرغم من عدم تبنيه رسمياً حتى اللحظة.

يعتبر ماريو أن والديه الأصليين تخليا عنه, والآن يريدانه فقط لأنه أصبح مشهوراً. لكن يقول والداه إنهما لطالما أرادا استعادته. ويقول والده توماس بارواه “إدعى ماريو أننا تخلينا عنه عند ولادته في المستشفى, وفي مناسبة أخرى قال إننا كنا نضربه في صغره, كلاهما أمران غير صحيحين! فماريو هو أول ولد ذكر في العائلة, ونحن كنا نحاول دائماً أن نوفر له حياة أفضل”, وأضاف “لطالما وددنا استرجاعه لكنه لم يكن يقبل, وأعتقد أن والديه بالتبني زرعا بعض الأفكار في رأسه”.

مثير للجدل منذ الطفولة

أبدى ماريو موهبة مذهلة في كرة القدم منذ نعومة أظفاره, كما لديه نفس الموهبة, في جلب المشاكل. ففي عمر سبع سنوات, طرد من فريق كرة القدم الذي كان يلعب معه بسبب سوء سلوكه. ومع نادي لوميتزاني, أحد أندية الدرجة الثالثة والنادي الأول الذي لعب معه بالوتيللي بشكل رسمي, “كان يهرب بعد حصة التدريب ولم ينتظر أبداً لتعلم التكتيكات” هذا ما جاء على لسان مدرب لوميتزاني حينها والتر سالفيوني. وفي مرة, عندما واجهته بالأمر ابتسم وقال “علي أن أذهب إلى البيت لأدرس”, لكنه عاد ليعترف بعدها أنه كان يذهب ليلعب كرة القدم مع أصدقائه.

لكنه في المقابل, أبدى موهبة كبيرة على أرضية الميدان, ويقول عنه سالفيوني “لم يكن هذا الفتى المشاكس الذي نعرفه الآن, كان مغروراً لكنه كان يريد فقط أن يلعب كرة القدم” ويضيف “كان يغضب جداً ويظهر هذا الأمر عندما لا يتم اختياره ضمن التشكيلة, لأنه كان يعرف أنه جيد بما فيه الكفاية ليشارك كأساسي, وأعتقد, هذا هو السبب وراء استمراره”.

وبدل أن يصبح أنضج, كانت قصص ونوادر وأحياناً “مشاكل” بالوتيللي تزداد مع تقدمه بالعمر, وفي كل خطوة كان يقوم بها, كان سرعان ما يتصدر عناوين الصحف والبرامج التلفزيونية الرياضية. فلم ينس أحد حادثة المقابلة التلفزيونية, التي ارتدى  ماريو خلالها قميص نادي ميلان, الغريم التقليدي لفريقه حينها, إنتر ميلانو.

كما تتالت قصصه عن مشاكله مع زملائه وعراكه مع بعضهم في غرفة التبديل, أضف إلى ذلك الطبع الحاد الذي يظهره في الملعب تجاه زملائه وأخصامه على حد سواء. وعلى الرغم من حصوله على رقم قياسي مع إنتر ميلانو, كأصغر لاعب يسجل للنادي في دوري الأبطال (18 سنة و85 يوم), إلا أنه يثير الفضول دائماً حول طريقة احتفاله, فهو لا يبتسم وقلما يحتفل بعد التسجيل, وفي سؤال عن ذلك أجاب “لماذا أضحك؟ الأمر ليس مضحكاً! فهو واجبي, قد أحتفل حين أسجل في نهائي دوري الأبطال”.

تقول عنه أخته بالتبنّي, كريستينا بالوتيللي, والتي تحبه كثيراً وتحاول دائماً مساعدته, “هو شخصية معقدة”, وتضيف “ماريو شخص خجول جداً, ولكن في نفس الوقت يريد أن يكون محط أنظار العالم”, وتكمل كريستينا, التي تعمل كصحافية “هو يعرف ماذا يريد, ولا يخاف أي شيء, كما لديه قدرة كبيرة على البقاء بارداً دون إظهار أية مشاعر”.

لكن ما قد يكون مبرراً ولو بسيطاً لماريو, بالإضافة إلى صغر سنه, وإلى الطفولة الصعبة التي عاشها, لا بد من تسليط الضوء على صعوبة التأقلم لفتى أسود ضمن مجتمع عنصري. فبالوتيللي لم يتعرض للتفرقة العنصرية فقط كطفل, بل رافقته هذه المشكلة حتى عندما كبر وأصبح لاعباً مشهوراً و”إيطالياً” بشكل رسمي. فهو تعرض للإساءات العنصرية من قبل جماهير يوفنتوس, حتى أنه تعرض للإساءة من قبل جمهور إنتر, النادي الذي كان يلعب له, حيث قام بعض من جمهور الإنتر بكتابة “غرافيتي” على أطراف الطريق المؤدية إلى سان سيرو تقول “أنت لست إيطالي حقيقي, أنت إفريقي أسود”.

مان سيتي, المغامرة الحقيقية

مع انتقاله إلى نادي مانشستر سيتي, بعمر 19 سنة وبعقد بلغت قيمته 24 مليون جنيه استرليني, انتقلت معه أطواره الغريبة ومشاكله, فهو أعلن انه يريد العودة إلى إيطاليا فور وصوله إلى مانشستر, وتسبب بإزعاج مدرب مان سيتي ومدربه الأول حين كان في الإنتر, روبرتو مانشيني الذي كان يوبخه دائماً. وفي مرة قال بالوتيللي “لقد قتلني مانشيني, قال لي (أنت أخرق, لا أعرف كيف قبلت بشرائك)”.

لكن على الرغم من هذا, فمانشيني يحب بالوتيللي, والآن يعتبره واحد من أفضل خمسة لاعبين في العالم. حتى أن ماريو يرى في مانشيني صورة الأب.


وبدوره بالوتيللي, أصبح يثبت نفسه يوماً بعد يوم, حتى أنه تمكن ومن دون أن يقصد, أن يكون قاعدة جماهيرية تنتشر أكثر فأكثر بعد كل لقاء لمان سيتي. وكما ذكرنا أصبح لديه نشيده الخاص, ألفه له مشجعوه وفي كل مباراة يزيدون عليه مقطعاً جديداً, حتى بات أطول نشيد خاص بكرة القدم حتى يومنا هذا.

ومن الحوادث الطريفة التي حصلت معه في مانشستر, أنه في إحدى المرات, وهو في طريقه للتدريب, خالف شروط السير “كالعالدة”, لكن بعد أن تعرف عليه شرطي السير الذي أوقفه, وبدلاً من إعطائه المخالفة, قام بمرافقته إلى الملعب, وهناك تحدث الشرطي مع مانشيني بشأنه. هذا وإن دل على شيء, فيدل على الدعم الكبير الذي يلقاه ماريو بين مشجعي المانشستر, والذي بدوره يؤثر على أداء وسلوك بالوتيللي الذي ومن الواضح أنه بدأ يتحسن يوماً بعد يوم.

يبدو أنه استطاع الوصول إلى عقول وقلوب البريطانيين, بسبب شخصيته ليس على الرغم منها. فالكثيرون يعتقدون أن لعبة كرة القدم تكون مملة, دون وجود أشخاص مثل بالوتيللي, الذي لا يكتفي بلفت الأنظار إليه في الملعب, بل مصر على تصدر عناوين الصحف أينما ذهب ومهما فعل. إن كان من خلال قصات شعره الغريبة, إلى تدميره سيارته باهظة الثمن بسبب قيادته المتهورة, أو رمي “الدارتس” على أطفال يلعبون الكرة من شباك بيته, بحجة “الملل”!

ولعل أكثر ما يتذكره الجمهور الآن هو حادثة إخماد النار في حمام بيته بعد أن أشعل الألعاب النارية داخل المنزل! وتعيينه في اليوم التالي سفير مانشستر للتوعية “ضد الألعاب النارية”. أو ربما حادثة زيارته لسجن النساء دون رخصة ومن باب الفضول فقط! أو قد تكون “معركته” الشهيرة مع قميص المران هي الأكثر وجوداً في أذهان الناس!

كثيرة جداً أخبار وطرائف سوبر ماريو, كما يلقب نسبة للعبة النينتندو الشهيرة, حتى أنه شُبّه بأكثر لاعبي كرة القدم مشاغبة على مر التاريخ, أمثال, كانتونا, جورج بيست, روبي فاولر وبول غاسكوين, الذي بدوره قال ” لقد قمت بأسوأ من إشعال النار في حمامي, لدى بالوتيللي طريق طويل حتى يصل إلى ما وصلت إليه”, وأكمل “..لكن يعجبني أسلوبه, يجب عليه فقط أن يتخلى عن غروره قليلاً, خاصة عندما يسجل, كما يجب أن يبدي بعض الاحترام لمشجعيه, فهم من يدفع له أجره”.

بين التميز والامتياز

اليوم, بعد 19 هدفاً في 38 مباراة في الدوري الانكليزي, وبعمر صغير وحياة مليئة بالأحداث والصخب, يمكن القول إننا قد نكون نشهد على ولادة نجم من طراز مميز, فبعيداً عن حياة بالوتيللي الخاصة ومتاعبها, على أرضية الميدان هو لاعب رشيق, سريع وقوي, يمتلك كل السمات التي يحتاجها أفضل مهاجمي كرة القدم. هو موهبة خام بكل معنى الكلمة, تحتاج للكثير من الصقل والخبرة, وهو ليس بالأمر المستحيل.

لعل قصة “Why always me” التي أيضاً أثارت الجدل مرة أخرى حول بالوتيللي, وهي العبارة التي كتبها بالوتيللي على قميصه الداخلي والتي أظهرها بعد تسجيله هدف في مرمى مانشستر يونايتد وتعني “لماذا أنا دائماً؟”, قد تكون إحدى الدلائل على الثقة التي بدأ يتحلى بها ماريو يوماً بعد يوم, فبعكس من فسر أن هذه الخطوة كانت نوعاً من العتب والضعف من جانب اللاعب, يميل الكثيرون إلى تفسيرها على أنها ثقة زائدة منه, وأنه كان يقصد وقتها “لهذا السبب, أكون أنا دائماً” أي لأنه لاعب قوي ومهم.

لماذا أنا دائماً

قد يكون بالوتيللي على حق, الذي يعتبر نفسه الآن واحداً من أهم لاعبي كرة القدم في العالم, ووحدهما ميسي ورونالدو, فقط, أفضل منه. وبالفعل, يتنبأ العديد من النقاد والمدربين والجماهير مستقبلاً باهراً لماريو.

قد تصدق هذه التنبؤات, وقد يصبح بالوتيللي نجماً مطلقاً في عالم كرة القدم تتخطى شهرته وأهميته شهرة “ميسي ورونالدو” الآن, وقد لا يفعل, ببساطة وعلى الرغم من صعوبة الأمر, لكنه أمر وارد, إذ قد يخذل بالوتيللي كل الذين يؤمنون به وبموهبته الآن, هذا كله رهن الأيام القادمة والسنين. لكن, وبكل تأكيد, الأمر الوحيد الذي لن يتغير, أن سوبر ماريو سوف يبقى دائماً “متميزاً”.

1 ديسمبر, 2011

إعلانات

حدث الساعة

اعلان

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل