المهمة العملياتية للأسطول الروسي

7 ديسمبر, 2011 - 3:51 مساءً
المهمة العملياتية للأسطول الروسي

تحليل إستراتيجي – بقلم العميد المتقاعد وليد زيتوني

نشرت في جريدة البناء في العدد: 769تـاريخ 05.12.2011

يندرج وصول مجموعة السفن الروسية إلى شرق وشمال البحر الأبيض المتوسط، حسب ما أعلنته موسكو، في اطار الزيارات المبرّمجة سابقاً الى دول صديقة وحليفة. إلا أن هذا الاعلان لم يخفّف من وطأة التساؤلات والاستفسارات المتعلقة بالتوقيت، خاصة في الظروف التي تشهدها سورية- الشام نتيجة الهجمة الشرسة التي تستهدفها، وليس أقلها الكلام عن فرض مناطق عازلة، وحظر طيران، وحتى تدخّل عسكري أطلسي وعربي مباشر تحت «لازمة» حماية المدنيين.
الزيارة وان أخذت شكلاً روتينياً، فإن توقيتها الشتوي يؤكد عزم القيادة الروسية الحالية على إحياء استراتيجيتها القديمة من عهود «كاترين الثانية» و«بطرس الاكبر» و«الاتحاد السوفياتي» السابق، ألا وهي الوصول إلى المياه الدافئة مع كل ما تحمله من عناصر القوة، في وجه التحديات والتهديدات الأميركية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ممثلة بالاسطول السادس وشبكة القواعد البحرية الاميركية والاوروبية المنتشرة في الدول المتشاطئة. وهو ما يستتبع حكماً الدفاع عن رؤوس الجسور لهذه الاستراتيجية، وفي مقدمها القاعدة البحرية في طرطوس، باعتبارها موطئ القدم الوحيد على الشاطئ الشرقي. وهي بالصيغة ذاتها قلعة متقدمة للدفاع عن العمق الروسي البري، في حال تطور النزاع إلى المستوى القاري.
لا شك أيضاً، في أن الزيارة وإن تكن مبرّمجة سابقاً، إلاّ أن تبدلاً طرأ على طبيعتها، لجهة نوعية عتادها ومعداتها، والمهمة الموكلة اليها. واستناداً إلى تسارع الحوادث في المنطقة، ومواكبة للتقدم الحاصل في نشر الدرع الصاروخية الأميركية في رومانيا وبولنده وتركيا. فإن الرجحان بالنقاط للاستراتيجية الاميركية كمحصلة لنشر الدرع الصاروخية حفز القيادة الروسية على القيام بعملية التفاف واسعة وواضحة خلف مواقع «الشركاء» كما تسميهم ديبلوماسية لافروف. بالاضافة إلى التهديدات شبه اليومية التي تصدر عن المسؤولين الروس، بفسخ الشراكة واعادة توضيع قوى هجومية قادرة على تدمير مصادر التهديد. هذا التحرك الروسي نبّه القيادة العسكرية الاميركية إلى الاختراقات الكبيرة في مشروعها والذي سينعكس سلباً على مصالحها. فاسرعت رغم ضيق اليد الاقتصادية إلى إرسال حاملة الطائرات النووية «جورج بوش» مع سفن الدعم والحماية إلى سواحل شرق المتوسط.
ولكن رغم الاسراع الاميركي لردم الثغر، إلا أن واقعاً جيواستراتيجياً جديداً فرض نفسه، وملامح هذا الواقع يمكننا استنتاجها من تصاريح العسكريين الروس، خاصة ما يتعلق منها بالأزمة السورية.
أولاً: إن المجموعة الخامسة من الاساطيل الروسية المولجة بعمليات البحر المتوسط، ليست لها مهمة عملانية إلاّ الدفاع عن آخر معاقلها «البر – بحرية» تأميناً لاستمرار المصالح الروسية في المنطقة مع ما يترتب على ذلك من نتائج.
ثانياً: إن البحر المتوسط لن يبقى بحيرة آمنة لاساطيل الولايات المتحدة، وأوروبا، و«إسرائيل». بل هناك قوى أخرى روسية وصينية وإيرانية وربما هندية ستمخر هذا البحر حفاظاً على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
ثالثاً: إن ترتيب إرسال سفن المجموعة حسب نوعيتها: أخذ في الاعتبار حاجات سورية الملحة للدفاع عن شواطئها فأرسلت البوارج والمدمرات المزودة صواريخ بحرية، وصواريخ مضادة للطائرات، قبل ارسال حاملة الطائرات. ما أعطى الدفاع السوري مزايا جديدة منها:
أ- إضافة مساحات دفاعية في العمق، خاصة البعد الاستراتيجي الثاني أو ما يسمى بالبعد البحري، وتركيز جهد دفاعي باسلحة حديثة وكثيفة وذات أمدية كافية، بحيث تؤثر سلباً وبشكل مباشر في حرية حركة القوى المعادية.
ب- تقييد حرية الملاحة الجوية للطائرات العسكرية المعادية بزيادة «الممرات الممسوكة»، والتحكم في الممرات الطليقة، وبالتالي الانتقال من منطقة حذر جوي على سورية، إلى منطقة حذر جوري تفرضه سورية على سائر الجبهات المرشحة لذلك، بزيادة رادارات الكشف والملاحقة وتوّعها. وكثافة مركبة لقدرتها في ميدان الاسلحة المضادة.
ج- تفرّغ القوى البرية لعمليات واسعة النطاق إذا دعت الحاجة، تحت غطاء وتأمين جوّي مريح.
رابعاً: تستفيد ايران من الوجود البحري الروسي بزيادة فاعلية الانذار المبكر إذا حاول الغرب أو «اسرائيل» بالوكالة عن الغرب للمنشآت القيام بضربات جوية للمنشاات النووية الإيرانية.
ختاماً، إن التبدل الجيو – استراتيجي في المنطقة سيقود حتماً إلى بروز نظام عالمي جديد.

7 ديسمبر, 2011

إعلانات

حدث الساعة

اعلان

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل