الهروب السريع أو السقوط المريع

12 ديسمبر, 2011 - 1:50 مساءً
الهروب السريع أو السقوط  المريع

خاص الحدث نيوز

 التحليل الاستراتيجي | بقلم العميد الركن المتقاعد الدكتور وليد زيتوني

تبدلت أحوال الولايات المتحدة .  إنها نهاية إمبراطورية ، بحثت عن الشمس ، إخترعت شمسها  ، سقطت على مشارف الظلال في كسوفها . غرقت في الضلال يوم مدّت أياديها الى حقوق الشعوب ، ثروات الشعوب ، وكرامات الشعوب ، سلبت الامم  قوْتها ومقوماتها. الولايات المتحدة ، الساقطة من عالم الانسانية الاخلاقي ، كما قال عنها ” انطون سعادة” في الحرب العالمية الثانية ، لم تشكّل امة ، بل مجموعة من المهاجرين وشذاذ الافاق الاوروبيين ، المجتمعين بعوامل المصلحة والمنفعة ،على حساب الاخرين المسلوبة والمقهورة ارادتهم  .  حاولت هذه الدولة ، غير الطبيعية ، ان تصنع  وبالقوة القائمة على النهب المنظم ،عالما على شاكلتها . لعبت بالاقليات الطائفية والاتنية وسمتها “حرّية “. ضربت القيم المجتمعية والانسانية ،واعطتها اسما من عندها ” حقوق الانسان ” .خرّبت مفهوم التبادل الاقتصادي ، وفرضت ” منظمة التجارة العالمية ”  . استباحت الكرامة القومية ، ودعتها  ” العولمة ” . حطّمت  استقلال  الدول  تحت عنوان  “الشراكة ” . أزاحت الخيارات الذاتية للانظمة الاخرى ، واستراحت على نظام عالمي “اميركي ” متفرد . هذه هي الامبراطورية التي بدأت شمسها بالافول .

لم تكفها الارض ، فراحت بعيدا لاستعمار القمر ، والمرّيخ ،والزهرة . قدماها لم تعد في التراب ، استبدلتها بالروبوت ، والطائرات المسيّرة عن بعد ، والحاملات النووية . سخّرت عقول البشرية لصالح ترف رعاعها . شوّهت الانسان الحقيقي واستبدلته بال”رامبو ” الهوليوودي . أميركا التي تطاولت على كل شيء ، سقطت في الفخ ، وقعت في العجز الاقتصادي . أميركا لم تعدل حتى في ما يسمى مجتمعها ، الكبار يأكلون الصغار ، التمييز العنصري بين البيض والسود،التمييز بين السكان الاصليين والمهاجرين الاوروبيين، التمييز بين ذوات الاصول الاسيوية والافريقية  و المهاجرين القدماء ، التمييز الطائفي ، جعل من حركة ” احتلال وول ستريت ” حركة ذات معنى ، انها بداية النهاية .

الولايات المتحدة التي استعمرتنا  بشكل مقّنع حينا وبشكل علني احيانا أخرى ، تقف على مفترق خطير ، اما الهروب سريعا الى الداخل ، كما فعلت بعد الحرب العالمية الاولى ، في محاولة للحفاظ على وجودها ، أو السقوط بشكل مريع في التشرذم ، لتحصد  في حقلها  وبيدرها  ، ما فعلته اياديها  في حقول و على بيادر الامم الاخرى .

في الاستدلالات : حركة ” وول ستريت ” ، ليست اكثر من تعبير داخلي عميق عن واقع اقتصادي مهتريء ، انعكس سلبا على التضامن ” الوطني” المحكوم بالمال والمجمّع من الصناديق الخارجية  . اقتصادها القائم على الزام “الحلفاء ” ، او بمعنى  اصح “التابعين”  ، شراء الانتاج الحربي الاميركي . هذا الاقتصاد  وصل الى طريق مسدود ، بفعل التراكم والاشباع غير المجدي بنسب عالية جدا .وادى فيما ادى اليه ، تعثّر الاقتصاد الاوروبي بالتوازي مع التعثر الاميركي ، بالاضافة الى ضعضعة اقتصاديات الدول المستوردة الاخرى .زد الى ذلك التنافس الجدّي في السوق نفسه من قبل  الدول الصناعية الحديثة ، التي تمتعت منتوجاتها العسكرية بصدقية عالية على مستوى الاداء الميداني ، وفي الاسعار التنافسية .

على المستوى الجيواستراتيجي :  الفعل الاستراتيجي  الاميركي  الذي  يقوم على  مبدأ ” جهد أقل ، مردود أكبر ” ، ايقظ الى حد ما ، الدول الساعية الى موقع ريادي في النظام العالمي المقبل ، هي وان كانت دول حليفة للولايات المتحدة الا انها احست بالغبن اللاحق بهوامش مشاريعها الذاتية كما بالمردود المالي ،  فاصبحت تطالب بحصة اكبرمما تأخذ ، أدى الى تقليص حجم تغذية الاقتصاد الاميركي .

لقد أدى التناقص  بالاقتصاد الاميركي الى تراجع دراماتيكي في القدرة العسكرية ، وهذا ما يمكن رصد ملامحه على ارض الواقع بالاجراءات التالية :

– في الماضي ، وعند وقوع احداث أقل أهمية بكثير من الاحداث الدائرة في العالم العربي ، كانت المياه الاقليمية للبلد المعني تعج بالاساطيل الاميركية ، أما اليوم ،وعلى أهمية الاحداث وضخامتها وشموليتها ، لم تتحرك الا حاملة طائرات واحدة كاثبات وجود ، لا أكثر في مواجهة الاسطول الروسي .ومن ثم التراجع عن السواحل السورية .

– الانسحاب الاميركي  من المشاركة  العسكرية المباشرة  في الاحداث الليبية ، وايكال المهمة لحلف شمال الاطلسي وبعض الدول العربية التي تدور فلكها .

-الاعلان المتكرر عن نيتها عدم القيام بتدخل عسكري على سوريا ، والاستعاضة بتحريض مجموعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي وتركيا على تحقيق ما تعجز عن تحقيقه هي عمليا .

– التعاطي مع الملف النووي الايراني بالصخب الاعلامي للتغطية على القصور العملاني .رغم إسقاط ايران لاحدى طائراتها .

– خسارتها الحرب التجسسية في سوريا ولبنان وايران ، وانكشاف مجموعاتها وطرق عملها وادواتها .لعل أهمها منظومة ” الياسمينة الزرقاء ” في سوريا ، واجهزة التنصت على شبكة المقاومة السلكية في الجنوب اللبناني ، وسقوط الطائرة دون طيار في ايران .

– اللجوء الى الدرع الصاروخي ونشره في اوروبا وتركيا دفاعيا  بديلا عن الحراك الهجومي .

– اللجوء الى مفاوضة طالبان لاطالة زمن تواجدها في افغانستان .

-الانسحاب القسري من العراق تحت وطأت ضربات المقاومة العراقية ، ومحاولة تغطية هذا الانسحاب ، بنجاحات وهمية ، كتحقيق الديموقراطية ، والدولة المدنية .

– سرقة انتصار الشعوب العربية على الحكام، المتواطئين اصلا معها .

باختصار ، امبراطورية الى مزبلة التاريخ .

12 ديسمبر, 2011

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل