الـ “عربي برس” : حالات انشقاق في الجيش التركي

16 ديسمبر, 2011 - 6:43 مساءً
الـ “عربي برس” : حالات انشقاق في الجيش التركي

الحدث نيوز | تركيا 

مقال منقول عن موقع ” العربي برس ” 

تتصاعد أخبار الإعلام الحربي في قناة الجزيرة عن انشقاقات بالعشرات ضمن صفوف الجيش السوري، تذيع بيانات انشقاقهم وانضمامهم لصفوف الثورة، وتعلن عن تأسيس “الجيش السوري الحر”. نتساءل: طالما أن أعداد المنشقين قاربت، بحسب الانطباع الذي تقدمه لنا الجزيرة، أعداد الجنود الباقين على ولائهم أفلم يتمكنوا حتى الآن من احتلال موقع عسكري أو مطار أو منشأة استراتيجية ما، كمنصة صواريخ مثلاً، أو حتى دبابة واحدة؟ هؤلاء لم ينشقوا إذاً بل فرُّوا تاركين أسلحتهم، وهذا يعني أنهم في أحسن الظروف، ومهما كان تفهمنا لدوافعهم، مجردون من الشرف العسكري.

نحن لن نتحدث عنهم؛ سنتحدث عن أناس خرجوا عن الجيش ولكنهم ليسوا مرتزقة، ليسوا متواطئين مع جهة أجنبية، لم يتمتعوا بحماية دولية، ولم يرسموا قديسين في قنوات الرأي والرأي الآخر. هم ببساطة رفضوا أن يكونوا جزءاً من تركيبة الآلة الحربية التركية، ولم يقبلوا على أنفسهم أن يوجهوا سلاحاً لاستهداف مدنيين أكراداً كانوا أو أتراكاً أو عرباً أو سواهم، وتحملوا عواقب ذلك من سجن وتشويه. وكان رفضهم نابعاً من ضميرهم ووجدانهم فسموا بالرافضين ضميرياً (Conscientious Objectors)

الرافضون ضميرياً نفوا صحة الشعار الذي ترفعه المؤسسة العسكرية التركية “كل تركي يولد جندياً” فقالوا: بل “كل تركي يولد طفلاً” وقد التقينا الرافض الضميري التركي أرجان أقتاش، وكان لنا معه لقاء تعرفنا من خلاله على حركتهم وآفاقها.

يعرف أرجان أقتاش الرفض الضميري بأنه “رفض أداء الخدمة الإلزامية لسبب ديني أو سياسي أو أخلاقي” ويضيف: «معاداة العسكرية (Anti Militarism) هي حركة مناهضة قوية ضد السياسات الامبريالية وهيمنتها المبنية على القوة» طبعاً هو ليس رفضاً مطلقاً للعنف والحروب، بل رفض للعنف كأداة هيمنة.

نسأل أرجان أقتاش عن تاريخ حركتهم وتشكلها، فأجاب: «حركة الرفض الضميري خطت أولى خطاها في تركيا مع إعلان وداد زنجير وطيفون كونول رفضهما الضميري عام 1989، ومن بعدها بدأ الرافضون الاحتفال باليوم العالمي للرفض الضميري في 15 أيار من كل عام. وتم تنظيم مهرجان مضاد للعسكرية باسم Militourism في اسطنبول عام 2004، ازمير عام 2005، أنقرة عام 2006. وتم تنظيم فعاليات ونشاطات شبابية وترفيهية وورش عمل وتخطيط، بمشاركة رافضين محليين وأجانب، وكان خيطها الجامع هو رفض العسكرية. وهكذا كانت هذه الفعاليات أنقى ما في الإطار الذي ترسمه المنظمات المناهضة للعسكرة والجماعات الفوضوية المشاركة بالمهرجان.

عربي برس: هل لك أن تحكي لنا عن بعض نشاطاتكم؟

أرجان أقتاش: ننظم زيارات للأماكن والرموز ذات الصلة بالدولة والمؤسسة العسكرية، ونشرح للمشاركين ولسكان المنطقة التاريخ الحقيقي للمكان. طبعاً نقوم بالخروج على النص الرسمي المكتوب ونفضحه. على سبيل المثال هناك أكاديمية غولهانلي العسكرية الطبية، تقوم بفحص قابلية أو عدم قابلية المثليين لأداء الخدمة الإلزامية، وتطلب تسجيلاً مرئياً للعلاقة المثلية كي تصادق على عدم قابلية الشخص. ولذا فهي تمتلك أكبر أرشيف بورنو للشواذ. قمنا بزيارتها وتقديم صندوق من التفاح لفحص سلامته. وقام رجال الشرطة المرافقون لنا بفحصه من حيث الشكل والطعم خوفاً من امكانية احتوائه على مواد خطرة. كما كانت معتقلات سليمية في اسطنبول، وماماق في أنقرة، وشيرينير في ازمير، نقاط الانطلاق لمهرجاناتنا السنوية، وأقمنا حفلات في محطات القطار شارحين العناصر الامبريالية والعسكرية في إنشائها. أقمنا زيارات لثكنات حلف الناتو، والمواقع العسكرية، والأماكن ذات الرمزية بالنسبة للمؤسسة العسكرية. وعلى سبيل المثال زرنا إحدى مقابر الشهداء التي كانت بالأساس قرية كردية هجِّر أهلها وسويت بالأرض. كما زرنا نصباً تذكارياً لشخص قدم على أنه بطل، ففضحنا حقيقته أنه كان مخرباً عميلاً. باختصار نحن والرافضون من مختلف أنحاء العالم نزعنا أسلاك الحدود الشائكة من على الخرائط وجلنا نضحك ونغني في الأزقة.

ينزلق النقاش مع الرافض أرجان إلى القوانين التي اعترفت بحق الرفض، وأقرت بعدم الزامية الخدمة العسكرية. فيخبرنا أنه اليوم يعترف بهذا الحق مجلس حقوق الإنسان والبرلمان الأوربي كأحد حقوق الإنسان الأساسية. وهو ما بدأ عام 1916 في بريطانيا، التي أقر دستورها بالحق، ثم لحقتها الدانمارك عام 1917 والسويد عام 1920. والمادة 18 من وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أقرتها الهيئة العامة للأمم المتحدة عام 1948 تقول: «لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة»

نعود للوضع التركي ونسأل: كيف تتعامل الدولة معكم؟

يجيب: الدولة تعاملنا كفارين من الخدمة، وترفض الاعتراف بحقيقة وجودنا. وهي تسجننا على هذا الأساس. وفوقها تحاكم الناشطين منا على أساس المادة 318 التي تجرم “اضعاف شعور الشعب اتجاه خدمة العلم” وكثيراً ما سقط أكاديميون وصحافيون ضحايا أحكام هذه المادة.

عربي برس: ولكن في الأيام القليلة الماضية، وخلال النقاشات التي جرت على خلفية مشروع قانون بدل الخدمة الإلزامية، جرى الحديث عن حركتكم، ووزير العدل سدات أرغين قال: «محكمة حقوق الإنسان الأوربية تقول: أنتم تسجنون الرافض ضميرياً على أنه فار من الخدمة، وبعد انقضاء السجن تعيدون محاكمته في محكمة مدنية عن نفس الفعل. أي أنكم تعاقبون الرافض ضميرياً مرتين عن فعل واحد. نحن سنأخذ هذا الأمر بالاعتبار عند اجراء التعديل القانوني اللازم» أيضاً القاضية التركية في محكمة حقوق الإنسان الأوربية ايشيل قره تاش صرحت بأن قضيتكم تأتي في أولوية المواضيع التي تتطلب اصلاحاً في تركيا من وجهة نظر المحكمة. إذاً الأمور كانت إلى انفراج من ناحيتكم، ولكن فجأة ظهر رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وقضى بعدم اقرار الدولة بحقوقكم. كيف تقرؤون ذلك؟

أرجان أقتاش: أكبر مهندس اجتماعي في تركيا هو الجيش، والعسكرة ترسخ في لاوعي الشعب أقاويل عديدة من مثل “لا صديق للتركي إلا التركي” فهي إذاً أداة هيمنة من قبل الدولة. الرفض الضميري كان سيتيح المجال أمام مناقشة التصميم الاجتماعي من قبل المهيمنين مدنيين كانوا أو عسكريين. لهذا السبب قام طيب أردوغان بمنع الخوض بالموضوع.

عربي برس: هناك من رأى أن الحكومة الإسلامية تستغلكم لاضعاف الجيش العلماني.

أرجان أقتاش: أنا أرفض ذلك رفضاً قاطعاً والطرفان يتفقان في نظرتهما إلى حق الرفض الضميري. قد تكون هناك خلافات على حدود مناطق السيطرة بين الحكومة والجيش، ولكن نظرة الطرفين، وخاصة لشعوب البلدان المجاورة، ليست مختلفة في شيء.

عربي برس: هذا يدفعنا إلى السؤال عن رأيكم فيما يجري في سورية، خاصة أن حكومتكم تدفع باتجاه الحرب الأهلية فيها، وتسلح ثوار المعارضة المسلحة…

أرجان أقتاش: الشرق الأوسط ينام ويقوم على الحروب منذ قرن من الزمن، وهذا ينبع بشكل أساسي من السياسات التي تنتهجها كبرى الدول الامبريالية في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، إضافة لدور الوكلاء المحليين لهذه الدول. والتحركات التي شهدناها في المنطقة منذ عام لم تأت بتقاليد ديمقراطية حقيقية، ولم يتم تطوير تحرك مدني ديمقراطي بوجه الأنظمة الإقليمية. دور تركيا يأتي في إطار سعيها لدخول نادي الدول الامبريالية، وهذا يدفعها إلى المشاركة بسياسة الدول المهيمنة بديلاً عن التضامن مع شعوب المنطقة.

العسكرة في الشرق الأوسط قوية جداً كما هو الوضع في تركيا، وهي تبني أوتوقراطية قوية مستمدة من الثقافة الذكورية السائدة في منطقتنا. قوة الأنظمة القمعية تأتي من الثقافة المترسخة في نفوسنا قبل كل شيء. حرية شعوب هذه المنطقة تتطلب تضامنها وتعاونها الكامل. يجب أن نعي أن الأتراك والعرب والأكراد والفرس وكل شعوب المنطقة إخوة، والحدود الحالية فيما بينهم مصطنعة، وليست حقيقية.

الحقيقة أن “الرفض الضميري” ليس وحده ما يميز الانهيارات العديدة ضمن الجيش التركي. ولا تزال في الاذهان صورة الشاب المجند الذي هرب من قطعته العسكرية وانضم إلى إحدى فصائل حزب العمال الكردستاني، ولم يلبث أن سقط صريعاً على يد أبناء وحدته السابقة أنفسهم.

وقد كانت صحيفة راديكال قد أجرت في 7.12.2011 تحقيقاً عن الضباط وصف الضباط الفارين من الخدمة، وأوردت العديد من حالاتهم. بعضهم يحاول دفع الجيش لطرده عبر ارتكاب جرائم مخلة بالآداب. بعضهم الآخر يهرب بكل بساطة منتظراً مرور فترة العام والنصف الضرورية لطرده من الجيش، قبل أن يسلم نفسه للمحكمة المدنية التي ستزج به لمدة حوالي ستة أشهر في السجن. وهو ما يدفعنا للتساؤل عن حقيقة المؤسسة التي تدفع بالعشرات من أفرادها إلى الهرب والتخفي لمدة عام ونصف إضافة لسجن نصف عام لأجل ترك صفوفها.

أحد الضباط الفارين تحدث عن انهيار نفسي أصابه إثر سقوط رفاقه قتلى في المنطقة الكردية، في حرب عبثية. ويقول أن التفكير قاده لمحاكمة العسكرة، وأدرك أن الحرب ليست حربه. مما دفعه للهرب في أول فرصة.

16 ديسمبر, 2011

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل