اغتيال الذاكرة…

25 ديسمبر, 2011 - 8:13 مساءً
اغتيال الذاكرة…

بقلم الزميل اورنتس نصر

في غرفة باردة ليس فيها إلا شاشة مضيئة تربطني بالعالم وأصوات انفجارات تفصلني عن ذلك العالم  في تلك الغرفة حيث كل المتناقضات تجتمع، في قلب حمص، عادت ذاكرتي إلى ما قبل الأزمة، إلى لحظة كنت فيها أبتسم .

إلى لحظة كنت أمتلك مدينتي وقد أحببتها بشوارعها و أزقتها وأبنيتها ، ومشيت في كل طرقاتها وحفظت صوت كل حجرة فيها عند ارتطام أقدامي ، وابتسمت في وجه كل سكانها ، وحفظت عائلاتها وتاريخها ، وأحداثها وعاداتها،  وعشقت سوقها ومتاجرها حيث تحصل على كل ما تريد بجملتين بسيطيتن ” يعطيك العافية معلم ..  زكاتك بعد اذنك..”   

في كل أسبوع كنت أبتعد عنها كانت تأمرني بالعودة اليها ، كحبيبة تقول لحبيبها ” ما اشتأتلي؟” وكأن كل قوة في الدنيا لن تقف بينك وبين عودتك اليها  أشتاق الى هدوئها في الصباح ، وضحكات أطفالها في المساء

أشتاق الى بساطة أهلها وطيبتهم وكيف ان أكبر خطأ في الكون يغتفر لديهم بكلمتين وابتسامة “ما تواخذو حُمصي ”

أشتاق الى أكلة “المغطوطة” فيها عند الفجر ، وأنت تعلم عندما تأكلها أن مدن العالم كلها تغار منك فلا أحد يصنع هذه الأكلة السرية خارج حمص ، أما سرها العظيم انها حليب وخبز وسكر !!!

أشتاق إلى خميس الحلاوات فيها ، أتعلم ما خميس الحلاوات بالنسبة لحمص؟ إنه عيدها الوطني  ترتدي فيه ذلك الثوب الزهري والأبيض من ” الخبزية” المصنوع من السكر والخبز فقط، وقد امتلأت رفوف متاجرها بالسمسمية وحلاوة البشمينة، وانتشرت بسطات الحلو في كل زاوية فيها…   هكذا هي حمص ، بسيطة، لذيذة، طيبة ، كخبزيتها

في تلك الغرفة الباردة قاطعت ذاكرتي رسالة من صديقي العلماني الحمصي الذي أحببته كما أحببت حمص، كان يسألني عن أحوالي وصحتي ثم يحاول أن يقنعني بأن ثورته هي ثورة الحرية والديمقراطية، وأنه ليس عليّ أن أخاف من حكم الاسلاميين فهم لن يقاتلوا الأقليات كلها، فقط من كان منها موالي للنظام ..

تنتهي المحادثة عندما يشبّه أحداث ال82 بأزمتنا الحالية وأنها ما كانت إلا مطالبة بالحرية والديمقراطية وحكم الأغلبية، وأن التفجيرات والقتل على الهوية هي مقاومة ضد نظام مستبد خائن ووسيلة للوصول إلى غاية ، أما الأقليات في وجة نظره فأثبتت أنها خائنة للوطن وطائفية بامتياز لانها لم تشارك بالثورة ويجب سحب الجنسية السورية منها بعد انتصار، وأنه هو لن يتخلى عن علمانيته فهو علماني مع الثوار وطائفي مع الموالين لأن الموالين هم طائفيون بالفطرة ولا يستحقون منه علمانيته ، وانه سيأتي يوم  تسود فيه دولة الأغلبية وعلى الجميع أن يعلم أن المجتمع السوري لن يرض بحكم أحد من الأقليات فهذه هي طبيعة الحياة !!!

صديقي العلماني الحمصي قال ذلك وصمت …

في تلك اللحظة انتهت أكثر من محادثة ، في تلك اللحظة انتهت صداقة ..

أكثر ما يحزن قلبك في لحظات الفراق إنك تتذكر كل الذكريات الجميلة التي عشتها  في تلك اللحظة تذكرت السهرات التي قضيتها معه في غرفة ليس فيها الا صوبيا وكأس وضحكة، ونعلم في نفس الوقت اننا امتلكنا العالم ، وان ما بيننا ايمان بأفكار ، تحديت أنا وهو المجتمع كله من أجلها ..

في تلك الحظة ، تذكرت الأيام التي قضيناها نوزع المناشير للترويج للزواج المدني، وكيف كنا نحاور المتعصبين ، وفي نهاية الحوار يبقى في ذهنهم سؤال واحد يرهقهم، وهو ما طائفة كل واحد منا ، أما نحن فنعلم أن ضحكتنا وصداقتنا هي ما يهزم كل تعصبهم..

في تلك اللحظة ، تذكرت عندما كنا نقول للجميع إننا عندما نطالب بدولة علمانية فهذا لا ينبع من تعصبنا ضد أي طائفة او دين ، بل ينبع من عدم تعصبنا الى أي دين ، فكيف أكون متعصب ضد أشخاص معينين وانا أطالب في نفس الوقت ان ينالوا نفس حقوقي وواجباتي !!

وبعد كل الذكريات الجميلة وباسم الحرية اغتالت ثورة حمص ذاكرتي…

صديقي ومدينتني خانوني وقتلوني ، وفعلوا بي ما لم يفعله بروتوس بقيصر  وأحرقت الطائفية مدينتي أكثر مما أحرق نيرون روما  في تلك اللحظة ضحت حمص بالصداقة على مذبح الثورة ، فلم تبق أي صداقة ولم تبق أي ثورة…

مدينتي مركز عبادة الشمس ، ومقر الأباطرة ، وعاصمة الضحكة ، تغتال ذاكرتها …

مدينتي تقتل من أحبها ، وتمارس الحب مع من كرهها ، يستشهد أبناؤها في سبيلها أما هي فتقول لهم أن ذلك لا يكفي

مدينتي تتخلى عن تاريخها وتفصل حاراتها بحاجز من الدم والخوف ، تقول لأبنائها لن أكون إلا لطرف واحد منكم فتقاتلوا على جسدي المضرج بالدم

مدينتي تغازل القتل وتسكر في نشوة الحقد مدينتي لم تعد لي  مدينتي تخونني على فراش الآلهة …

أما في فراشي فأنام وحيدا على صوت ليلها الذي لم يعد يعرف الهدوء وكل أملي أن تكون عشيقتي حمص كما كل عشيقات العالم ، تقوم بفعل هذه الأشياء لتغضبني وتستفزني وتثير غيرتي ، ثم تاتي إليّ بقلب صادق وابتسامة طفولية  لتقول لي بكل براءة :

“لا تزعل مني… آخر مرة … آخر مرة.. آخر مرة..”

.

25 ديسمبر, 2011

اعلانات

حدث الساعة

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل