كوابيس فرانز كافكا وفضيلة الشيخ برهان غليون

9 نوفمبر, 2011 - 5:32 مساءً
كوابيس فرانز كافكا وفضيلة الشيخ برهان غليون

المصدر وكالات : بقلم نارام سرجون

عندما أطل برهان غليون فجأة صبيحة العيد وعلى غير توقع وانتظار وثبت اليّ من اللاوعي والعقل الباطن رواية فرانز كافكا بعنوان (المسخ) ..التي عرّفتني على شخصية مطابقة لشخصية السيد برهان غليون، وأحسست أن أقدار هذا الرجل وأقدار بطل رواية “المسخ” لكافكا هي (فولة وانقسمت نصين).. من يقرأ قصص كافكا الشهيرة يصاب بالدهشة من حجم التطابق بين سيرة حياة برهان غليون الكابوسية وأبطال شخصيات كافكا الكابوسية..ويدرك الناقد أن كافكا كتب بالرمز عن أسئلة الوجود الكبرى عبر أشخاص في الحياة يعيشون بيننا بشكل يومي ..ولاأدل على ذلك من تطور والتواءات حياة برهان غليون..

 

وفرانز كافكا هو أحد أشهر كتاب القصة ورائد الكتابة “الكابوسية” السوداء.. وبالطبع لاأريد تحقير السيد غليون بتشبيهي له ببطل رواية “المسخ” فليس من الأخلاق تحقير الناس مهما اختلفنا معهم .. لكن سيرة وانعطافات غليون الغريبة في الحياة لاتجد لها شبيها الا قصص كافكا الثقيلة كالكوابيس السوداء .. فحياة غليون تكاد تكون مستنسخة تماما من أبطال روايات كافكا ..أتمنى من كل قلبي ألا تنتهي حياة غليون تلك النهايات المأساوية المؤلمة لأولئك الأبطال المأزومين المهزومين لكافكا

 

في رواية “المسخ” التي ذكرني بها غليون .. يستيقظ (غريغور سامسا) في أحد صباحات أيامه ليكتشف أنه قد تحول إلى حشرة ضخمة كريهة خلال نومه في الليل ..ويصعق غريغور عندما يكتشف أنه صار صرصارا ضخما.. ولأنه أصبح الآن حشرة كريهة مقيتة مقرفة فإن أهميته بالنسبة لعائلته قد تلاشت تماماً…ولذلك نراه خلال الرواية بكاملها وهو يحاول التواصل مع أبيه وأمه وأخته .. لكن بلا أمل تقريباً لأن الجميع كان قد تخلى عنه.

الرواية التي تجري أحداثها في غرفتين فقط تلقي أمام القارئ بتساؤلات حادة عن وجود الإنسان في هذه الحياة؛ الإنسان الذي وجد نفسه فجأة في عالم ليس من اختياره… تماماً مثل (برهان غليون الذي تحول إلى مخلوق كريه بشكل مفاجئ من دون أن يمنح فرصة اختيار قدره الخاص ..ولم يعد قادرا على التواصل مع السوريين الا من خلال غرفتين (الجزيرة والعربية) ..بل انه لايستطيع انجاز التواصل مع مجلسه الانتقالي الا من خلال غرفتين (الدوحة واستانبول) … قدر اختاره له عزمي بشارة وحمد وأردوغان وساركوزي ..

 

غليون الذي أراد يوما أن يكون عالما تنويريا ضد التدين انتهى به المطاف لأن يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه فجأة زعيما للاخوان المسلمين ووصيفا في مملكة العرعور ..ومن لقب بروفيسور يتحول بالتدريج الى فضيلة الشيخ برهان غليون الذي يتحول بالتدريج الى مايشبه الرئيس الأفغاني السابق برهان الدين رباني .. ألا يشبه هذا التحول الكابوسي في حياة أي انسان الاستيقاظ صباحا ليجد نفسه ..حشرة كريهة ضخمة..

وبالرغم من تشابه غريب بين شخصية برهان غليون مع بطل قصة المحاكمة (جوزيف ك) وبطل قصة (القلعة) (مستر ك) لكافكا ايضا فانني لن أتطرق اليهما لنهايتيهما المفجعتين الكابوسيتين وسأترك لكم مهمة التمتع باكتشاف شخصية رئيس المجلس الوطني السوري الانتقالي عبر مقارنته بأبطال قصص كافكا الذي يتحدث وبشكل غريب وكأنه يتنبأ لنا بظهور شخصية برهان غليون ..وخاصة في كابوسية (القلعة) ..

 

مأساة برهان غليون أنه بدأ معارضته بسذاجة معتقدا ان السياسة تشبه الحكايات والروايات في أسطوريتها وأحلامها.. وأن الثوار يمكن أن يستحموا بآبار النفط .. وأن الأوطان تنسج خارج الحدود .. وأن مجلس الأمن جمعية خيرية ..وأن الجامعة العربية هي دار الندوة في قريش حيث مواثيق الشرف وحلف الفضول (أول برلمان عربي) .. وبدا أن من يحيط بغليون قد أكلوا بعقله حلاوة وخدعوه في البداية واستدرجوه الى لعبة خطرة وقذرة .. وأقنعوه أن التاريخ يريد أن يصافحه ..فاستيقظ ذات صباح ليجد نفسه تحت الأضواء يخلع عليه لقب الرئيس ..ويلقي خطاب العرش .. وخطبة العيد..

 

لكن برهان الذي بذل جهدا خارقا في ظهوره السينمائي “الرئاسي” صبيحة العيد كان جامد الوجه يقرأ خطابه بصوت فيه بحة خفية رغم جهده لاظهار تناغمات صوتية تم تدريبه عليها من ارتفاع الصوت الى انخفاضه لنقل تأثير الكلمة للمتلقي .. ولكن كان في خطاب غليون حزن خفي وخيبة أمل حاول أن يظهر أنهما وقار وجدية .. ومن يقرأ خطاب غليون ويتجول بين كلماته يعرف أن الرجل لم يعد الا رجلا منوما مغناطيسيا وأنه يعيش ضغطا نفسيا هائلا .. حتى أنه لم يستطع مواصلة تصوير خطابه دفعة واحدة بل ان الخطاب الذي استمر 8 دقائق فقط تم تقطيعه على الأقل عشر مرات .. مرة صورة قريبة ومرة صورة بعيدة لاتفسير لها في هذا النوع من الخطابات ذات الرسائل الثورية والوعظية الا بسبب اعادة التصوير في كل مرة يتوقف فيها برهان غليون عن القراءة بسبب تلعثمه وسوء أدائه الناجمين عن الضغط النفسي والقلق على مشروعه ..وأسرار بدأت تتكشف له ..ومساومات لم يسعفه عقله في الانتباه اليها الا متأخرا…وبدا في الخطاب أنه أعطي بعض المهدئات فقد قلل من حركات رأسه المألوفة ولم تتحرك يداه بشكل عفوي .. واذا لم يكن ذلك بسبب أدوية مهدئة فان لغة الجسد تشي لنا أنه مستسلم ويائس..وان كان الناصحون حوله قد أشاروا عليه بالرصانة الشديدة فان تلك الرصانة قد سيطرت على العفوية المطلوبة في خطاب للجماهير السلفية التي تنتظر قائدها الجديد

 

وبدا ذلك في تصريحاته اليائسة بالأمس لصحيفة الشرق الأوسط السعودية حيث قال بمرارة بأن الجامعة العربية بدت فاشلة وعاجزة ودعا الى وقف الاستثمارات الخليجية في سوريا كنوع من العقاب ..فيما طالب العرب متوسلا ان ينقل الملف لمجلس الأمن

 

مايلفت النظر أن غليون في خطابه “التاريخي” قد ارتكب هفوة وخطيئة لايجب أن تمر مرور الكرام .. فقد وضع الى يساره العلم السوري الرسمي وليس علم الثورة السورية بنجومه الثلاث وألوانه المختلفة.. وبدا أن هناك عدم تناغم وانسجام بينه وبين مجلسه الذي يفرش دائما علم الثورة (بنجومه  الحمراء الثلاث) ويوزع أعلام الثورة على المظاهرات فيما غليون لايزال محتفظا بالعلم الرسمي دون تبنيه علم الثورة في كل مقابلاته تقريبا .. الثوار اذا لايستطيعون حتى الاتفاق على شكل العلم وصار لهم علمان ..علم اعتمده الشيخ غليون وعلم اعتمده شيوخ المجلس الوطني الانتقالي ..ربما لأن غليون يعبّر عما تحت شعوره في اللاوعي فهو يدرك أن علم الثورة ليس له أمل .. وأن العلم الحالي هو الباقي ..وربما أن قلة الخبرة الواضحة منه ومن فريقه الخاص لم تعر العلم الجديد اهتمامها.. أو أن فضيلته بالفعل لايعرف العلم القديم من الجديد كونه مواطنا فرنسيا ..ولايهمه ان كان علم سوريا قديما أم جديدا أم غترة القرضاوي أو عرعور..ونجماته الثلاث هي شنبات حمد وبشارة وأردوغان ..

 

العارفون باحباطات فضيلة الشيخ برهان غليون يعرفون أنه يعاني من الاكتئاب فقد تلقى توبيخا قاسيا وهجوما عنيفا من معارض غاضب آخر هو مأمون الحمصي الذي وصفه بالتقلب والانتهازية وعدم الثقة ..وعاب عليه عدم الطلب العلني والمباشر بالتدخل الدولي لحماية المدنيين.. رغم أن غليون لايستطيع مصارحة الحمصي أن حكاية التدخل الدولي ليست بيده وأن الناتو لاينتظر أوامره بل انه هو من ينتظر أوامر الناتو بالايعاز بطلب التدخل لأن الناتو ببساطة ليس جاهزا لذلك ..

 

كما أن الاتهامات بالخيانة تنهال عليه من هيثم المناع وبعض أعضاء مجلسه .. وهناك تأنيب متواصل من معلمه عزمي بشارة الذي لايكف عن التذمر منه ومن قلة امكانياته ومزاجيته..عزمي الذي لن يغفر لغليون وصفه له في مجالسه الخاصة (بالنرجسي المتسلط والمنظّر الثرثار) ويكثر من الشكوى منه عبر وسطاء يبلغون رسائله المتلاحقة لأمير قطر ..وكانت احدى الرسائل الوسيطة عبر داود أوغلو ..الذي طلب من أمير قطر أن المطلوب في هذه المرحلة أن يسمع الثوار السوريون كلاما كثيرا من غليون والقرضاوي وكلاما قليلا جدا من عزمي

بشارة..وعليه أن يمنح عزمي اجازة لبعض الوقت ..حتى تحين المرحلة المقبلة

 

وبالعودة الى كوابيس كافكا ألا تعتقدون ان الشعب السوري يعيش كوابيس كافكا بشكل مقلوب؟ فقد استيقظ السوريون فجأة ليجدوا أنفسهم محاطين بالحشرات الكريهة الضخمة .. ولاأدري ماذا يمكن أن يكون حمد الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟. وماذا يمكن أن يكون أردوغان الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟..وماذا يمكن أن يكون عزمي بشارة الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ ..وماذا يمكن أن يكون القرضاوي الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ ..وماذا يمكن أن يكون عبد الباري عطوان (الذي ساوى بين مقاتلي حماس وحزب الله وبين القتلة في حمص من الارهابيين ووصفهم ب”المقاومة” في حمص) الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ .. وماذا يمكن أن يكون عدنان العرعورالا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ .. وماذا يمكن أن يكون الشيخ برهان غليون الا حشرة ضخمة كريهة استيقظنا لنجدها في غرف نومنا؟ ..بل ماذا يمثل لنا مذيعو الجزيرة والعربية وأعضاء المجلس السوري الوطني الانتقالي سوى تجمع لكوابيس فرانز كافكا وأبطاله المسوخ المأزومين …الذين استيقظنا فجأة لنراهم يتكاثرون ويصرون الصرير ..هل تعرفون ماهو الصرير؟؟

 

بل أليست أم الكوابيس أن تستيقظ عزيزي القارئ وتجد كل هؤلاء يحيطون بفراشك ويحدقون في عينيك مبتسمين وهم ويقرؤون الفاتحة التي كتبها لنا برنار هنري ليفي .. كابوس مرعب بحق تعجز مخيلة كافكا عن تصوره

 ·  · Share
9 نوفمبر, 2011

اعلانات

حدث الساعة

اعلان

سجل لتصلك أهم الأخبار

* = required field

powered by MailChimp!
خبر عاجل